عمارة الثلاثينات في بغداد PDF طباعة البريد الإلكترونى

د. خالد السلطاني/ الدانمارك

 

المتحف العراقي في الثلاثينات

مرت حوالي ثمانية عقود ونيف على ظهور العمارة العراقية الحديثة التي اقترن نشوئها بفترة تأسيس الدولة العراقية الحديثة في بداية العشرينات من هذا القرن. وعلى الرغم من خطورة هذا الحدث الحضاري والثقافي المهم وعكسه لمتغيرات اتجاهات التطور والنمو في مسيرة البلد طيلة تلك الفترة، فقد ظلت سمات وإضافات ذلك الحدث الإبداعي يكتنفها الغموض والتشويش وعدم الدقّة، وشملت هذه المميزات حتى تاريخانية ذلك النشاط، مما جعل تحديد مراحل التطور المعماري وتثبيت سماتها وتأشير إنجازاتها أمراً ملحاً وآنياً. ونطمح أن تكون محاولتنا في الكلام عن عمارة الثلاثينات بمثابة لبنة في دراسة العمارة العراقية الحديثة بصورة شاملة ومتكاملة، سنحاول في هذه الدراسة رصد ما يمثله العقد الثلاثيني من أهمية تكوينية وتصميمية في سلسلة عقود عمر العمارة العراقية وذلك من ناحية:
- سياق اللغة المعمارية، أولاً.
- النسق التصميمي المولود من رحم تلك السياقات وأضافته المتفردة، ثانياً.

يمكن القول بأن عمارة عقد الثلاثينات هي استمرار للأفكار المعمارية الجديدة التي نشأت وتكونت في العشرينات، بيد أن استمرارها كان من نوع خاص، ينطوي على ترجمة تلك الأفكار إلى بيئة عمرانية ملموسة بمعنى آخر، إذا كانت العشرينات هي نواة الفكر المعماري الجديد المشوب بالقيم الحداثوية الشاملة فان عمارة الثلاثينات هي مرحلة نضوج تلك الأفكار وتكوين مبادئها وقيمها والتمتع بقطاف ثمارها.

ولكن إن كانت الممارسة البنائية في العقد العشريني تنطوي على تداخلات وتقاطعات نهجوية بين طرق البناء التقليدية وأساليب العمارة الجديدة، فان ما يتسم به النشاط البنائي عموماً بالعقد الثلاثيني هو صفاء ووضوح لغة السياقات المعمارية الحديثة المفعمة بنكهة الحداثة. وما كان أمراً بعيد المنال وعُدَّ غريباً أو طوبائياً في العشرينات، أمسى حدثاً معمارياً واقعاً ومألوفاً، وربما عادياً في الثلاثينات.

حدث كل ذلك بصورة سريعة ومفاجئة. وقد تكون إجابتنا قاصرة وغير مكتملة لتساؤل مشروع عن أساليب وكيفية استئثار العقد الثلاثيني بجميع هذه المنجزات ما لم تكن ثمة إشارة وتركيز إلى مجمل المتغيرات التي طرأت على حياة المجتمع العراقي في هذا العقد، وعلى تخومه.

فنحن إزاء أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة جرت في الثلاثينات، أحداث أسهمت في إيجاد أرضية مناسبة لتلك الانعطافات المعمارية الكبيرة التي شهدها العقد الثلاثيني. إذ تبوأ العراق وقتذاك مركزه السياسي المرموق كدولة مستقلة نادرة الحدوث في الخارطة الإقليمية مكرساً حدث الاستقلال الناجز بانضمامه إلى عصبة الأمم (1932)، الأمر الذي اكسب العراق شهرة مضافة واهتماماً دولياً انعكس بصيغ عديدة على تطوره المعماري.

كما ينبغي الإشارة إلى حصول زيادة ملحوظة في الموارد المالية للبلد في هذا العقد وخصوصاً تلك المتأتية من استخراج النفط وعمليات تصديره. إذ على الرغم من اكتشاف النفط بصورة تجارية في العشرينات (1927) فان عمليات التصدير الفعلية الكبرى له، وكذلك إبرام الاتفاقيات بين الشركات النفطية والحكومة، جرت في هذا العقد تحديداً (1)، الأمر الذي أمن الاحتياجات المالية الضخمة لتشييد مبان عديدة وأغرى كثيراً من المعماريين والمهندسين للعمل في العراق (2). ولقد كانت سنوات ذلك العقد مكرسة أيضاً لتلبية متطلبات تحديث وإحداث أجهزة ومقرات لدولة ناشئة وعصرية. فالحماسة في تحديث المؤسسات الحكومية وقتذاك أفضت إلى (حمى) تشييد مبانٍ عديدة ومختلفة كي يمكن استيعاب المتطلبات الوظيفية الجديدة لتلك المؤسسات، الأمر الذي ملء وأثرى المشهد المديني بصروح تكوينات بنائية لم تكن مألوفة أو معروفة مسبقاً، وترادفت تلك الحركة من البناء الكثيف بنزعة ظهور طبقة جديدة من أرباب العمل بدأت بتشغيل مساحة واسعة من فعالية البناء والتشييد، تلك هي طبقة المثقفين (الانتلجينسيا) ـ النخبة.

لقد ارتضت هذه الطبقة أن تكون لها مساكن ومقيميات جديدة لا تقل شأناً عن حداثة المباني الحكومية ذاتها، كما أنها أحست سريعاً بعدم استجابة بيوت الآباء والأجداد التقليدية للإيفاء بالمتطلبات المستحدثة في حياتهم ومراكزهم الجديدة. كما أن هاجس التغيير والتجديد الذي امتلك الشعور العام وقتذاك أسهم في جعل حركة البناء المقراتي تظهر وكأنها واحدة من أكثر الفعاليات الإنشائية تأثيراً في ذلك النشاط. ومن الأمور المهمة التي عجلت بإرساء السياقات المؤثرة في البيئة العمرانية للثلاثينات وجود مؤسسات خاصة معنية بتنظيم العمل البنائي وتحسين نوعيته. ولم يقتصر عمل هذه المؤسسات على مواكبة الجانب التطبيقي والفعلي لعملية البناء وانما اهتمت أيضاً في إبداء مقترحات وتوصيات أفضت في النتيجة إلى سن قوانين وتشريعات لعبت دوراً أساسياً في تنظيم وترتيب وخلق البيئة المعمارية الجديدة برمتها، كقانون البلديات الذي شرع في سنة 1931، وإصدار (قانون الطرق والأبنية) لسنة 1935 الذي يعتبر سيد قوانين البناء لما له من تأثير خطير في جميع مراحل تطور العمارة والبناء في القطر.

ويتحتم علينا، ونحن بصدد ذكر العوامل والأسباب التي أفضت إلى إرساء وتكريس مفاهيم العمارة الحديثة في العقد الثلاثيني، التنويه بظهور وتوفر وانتشار الخدمات بأنواعها المختلفة ذلك لأن بغداد ظلت لفترة زمنية طويلة محصورة ضمن رقعة جغرافية ذات أبعاد محددة ومحافظة على نسيج حضري معين لأن نوعية وأساليب الخدمات المقدمة إلى سكانها كانت بدائية وبسيطة وتتسم بالسذاجة.

فأسلوب تجهيز المدينة بالماء مثلاً، المعروف "بالسقا"(3) يعتبر أسلوباً بدائياً، فهو بعيد جداً عن الشروط الصحية، والاهم من ذلك أنه ليس بمقدوره أن يخدم أحياء نائية تقع بعيداً عن مصدر المياه مما يساعد على تكريس نظام التخطيط المتراص والمندمج ويسهم في بقاء المدينة ضمن مديات خطوط الخدمات. كما أن أسلوب الإضاءة المتبع في المدينة قبل انتشار خدمات الإضاءة الكهربائية(4) ساهم في تكريس بقاء النسيج المتضام في المدينة كنظام يتماشى مع بدائية وفطرية الخدمات المقدمة.

وينبغي الإشارة إلى طول فترة ركود الحياة الاجتماعية وجمود الحالة الاقتصادية وعدم ظهور بوادر تغيرهما على مدى عشرات السنين مما كرس هو الآخر هذا النمط التخطيطي وأبقى المدينة ضمن أبعادها المعروفة.

والآن ينبغي أن نجيب على تساؤل أساسي وهو: من هم صناع ومبدعوا عمارة العقد الثلاثيني؟

مرة أخرى يتميز هذا العقد عن العقود الأخرى فيما يخص موضوع هذا السؤال، إذ يشاهد خليط غريب من المعماريين والمصممين والبنائين والحرفيين (محليين وغير محليين) يشكلون فئة أصحاب القرار التصميمي التي ابتدعت "بانوراما" عمارة العقد الثلاثيني.

وتجدر الإشارة إلى أن العقد الثلاثيني افرز ظاهرة جديدة مألوفة في السياقات التصميمية، وهي ظاهرة البناء وفق ما يعرف بالبيانات المصورة (أوالدفاتر المصورة) أي (الكاتالوغات)(5) CATALOGUE) ) فقد انتشرت موضة المكاتب التي تعنى بتقديم أنواع مختلفة من التصاميم المعمارية المنشورة في هذا (الكاتالوغات) ويترك للزبون حرية اختيار التصميم الذي يناسبه ويتكفل المكتب المحلي في تجسيد (الحلم) التصميمي إلى الواقع. وأكثر تصاميم هذه (الدفاتر المصورة) هي تصاميم شائعة في بلاد الشام وفلسطين وكذلك في بلدان حوض البحر المتوسط الأخرى، كتركيا واليونان وإيطاليا وحتى فرنسا. وتتسم تصاميم هذه المشاريع التي كانت تتبع الأسلوب (التوليفي ECLECTICISM) بكثافة فائقة من العناصر الزخرفية واستخدام مفردات معمارية هي أصلاً دخيلة وغير متداخلة وغريبة عن تراث وتقاليد المنطقة العمرانية.

وأخيراً، فان العقد الثلاثيني تميز بظهور المهندس المعماري العراقي لأول مرة كمشارك مهم في خلق وتصميم عمارة الثلاثينات وذلك بوصول أحمد مختار إبراهيم سنة 1936، كأول مهندس معماري محترف ومؤهل أكاديمياً وأعقبه بقية المهندسين المعماريين العراقيين، أمثال حازم نامق وجعفر علاوي وعبد الله إحسان كامل ومدحت علي مظلوم وسامي قيردار وغيرهم. وقد أثروا عمارة العقد الثلاثيني وتخومه بتصاميم رائدة أسهمت عميقاً في تطور العمارة في العراق.

تتمثل إنجازات الفكر التصميمي للعقد الثلاثيني بناحيتين أساسيتين هما: التخطيط والعمارة. وهاتان الناحيتان انطوتا على مفاهيم جديدة شملت السياقات المعمارية الواسعة المفعمة بالحداثة وكذلك بالنسق التصميمي الجديد المشتق من صلب هذه السياقات. وسنحاول رصد وتأثير هاتين الناحيتين بموضوعية مجردة نسعى لأن تكون علمية أيضاً.

يكاد يكون الفكر التخطيطي في الثلاثينات بمثابة انقلاب تام وشامل على جميع مفاهيم وقيم التخطيط التقليدي الذي جبلت عليه مدينة بغداد لفترة طويلة جداً. وقد كانت بوادر هذا الانقلاب والتغيير تكمن أساساً في قرار الخروج من حدود المدينة المسورة، في البدء شمالاً نحو العيواضية وجنوباً إلى البتاويين الذي حدث في بداية الثلاثينات، ثم أعقبه امتداد واسع في جميع الجهات وعلى ضفتي النهر. وبهذا القرار الذي كانت له أسبابه الكثيرة اختفى نهائياً نهج النسيج الحضري المتراص والمتضام ونشأ على تخومه أسلوب تخطيطي حديث قوامه الشوارع المستقيمة العريضة نسبياً وعلى جانبيها قطع العرصات ذات المساحات الواسعة.

لم يكن توسع مديات حدود المدينة أمراً هامشياً أو ثانوياً، ذلك لأن مساحة التوسيعات التي جرت في الثلاثينات كانت لدرجة كبيرة بحيث شغلت أضعاف مساحة المدينة القديمة المسَوَّرة وامتدت لتشمل الوزيرية والاعظمية ثم العلوية والكرادة الشرقية ولتمتد في الطرف الآخر من النهر نحو الكريمات والصالحية وكرادة مريم وعـلاوي الحلة(6).

وقد نجم عن هذا التضخم السكاني والمساحي الذي شهدته بغداد في الثلاثينات إشكالات عديدة لقيت حلولاً سريعة لها من لدن الجهات المسؤولة. فإشكالية الاستدلال في المدينة الكبيرة مثلاً عولجت من خلال قرار أمانة العاصمة في حينه بتسمية (28) شارعاً مهماً ببغداد تسمية جديدة، وذلك في 28 نيسان 1932 بتعليق اللافتات فيها مثل: الرشيد، الملك فيصل، موسى الكاظم، المنصور، المستنصر، المأمون، أبو نواس، الأمير غازي، المتنبي، ابن سينا، المعري … الخ(7).

كما أن مشكلة التنقل والنقل في المدينة حلت عبر مد وتخطيط الشوارع العريضة التي تستوعب وسائط النقل العامة والخاصة والتي انتشرت انتشاراً كبيراً، وكذلك من خلال قرار مجلس الوزراء عام 1935 القاضي بتشييد جسرين جديدين ثابتين لأول مرة في تاريخ المدينة(8) اللذين تم تدشينهما عام 1936 وهما: جسر المأمون (الشهداء حالياً) وجسر الملك فيصل (الأحرار حالياً) وذلك لتسهيل مهمة عبور واتصال جهتي بغداد الرئيسيتين بين الرصافة والكرخ.

في كثير من الأحيان، كانت عمليات توسيع المدينة تتم بصورة غير منتظمة وربما عشوائية، وكانت مسارات هذه التوسع، تتبع مواقع المباني المهمة التي كانت تشيد على أطرافها والتي أمست بمثابة مناطق جذب لهذه التوسعات والإمدادات، كمباني البلاط الملكي في الكسرة، ونادي بيوت حي العلوية (نهاية العشرينات)، والميناء الجوي - مطار المثنى حالياً (1931) غربي بغداد، وقصر الزهور في الحارثية (1933)، والضريح الملكي في الاعظمية (1934)، وكلية بغداد في الصليخ (1932)، ومباني الإذاعة في الصالحية (1936) وكلية الهندسة في الكرنتينة (1936).

وقد فطنت الجهات المسؤولة سريعاً إلى ضرورة تنظيم وتحديد واستيعاب عمليات التوسع الجارية ببغداد فشرَعَّت قانون الطرق والأبنية رقم (44) لسنة 1935 الذي كان له دوره الكبير في إرساء المتغيرات الحاسمة والجذرية التي طرأت على البيئة المعمارية والتخطيطية، ولتفضي هذه المجالات إلى إعداد أول تصميم أساسي لمدينة بغداد سنة 1936، وهو حدث تخطيطي مهم في تاريخ المدينة الحديثة الذي بموجبه تم شق شارع (الملك غازي) في تلك السنة.

وضمن معطيات المشروع التخطيطي الجديد ينبغي التنويه بظهور الحدائق العامة والمناطق الخضراء كإحدى مفردات وعناصر النسيج التخطيطي المعاصر، وهو أمر يحدث لأول مرة ضمن أساسيات التخطيط المديني لبغداد، كمنتزه السعدون وحدائق العيواضية والأعظمية والوزيرية والعلوية. ويمكن اعتبار الساحات والميادين العامة التي ظهرت فجأة في المشهد التخطيطي بمثابة رموز وكنايات للحدث التخطيطي الجديد. ومما أضفى أهمية حضرية خاصة على هذه الساحات قرار تشييد تماثيل في وسط بغداد، كتمثال الملك فيصل الأول في الصالحية (1933) وتمثال السعدون في الباب الشرقي الذي تم افتتاحه في 31 آيار عام 1933 (9).

على العموم، فان الإنجازات التخطيطية لعقد الثلاثينات كانت مهمة وجذرية ومتنوعة وارتقت ببغداد من مدينة كانت تعيش بمستوى مدن القرون الوسطى بكل سلبياتها الصحية والديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية إلى حاضرة عصرية تنعم بامتيازات التقدم والارتقاء اللذين بلغتهما الحضارة الإنسانية وقتذاك.

لا تقل أهمية متغيرات لغة العمارة التي حصلت في الثلاثينات عما حدث في مجال التخطيط، فنحن إزاء معالجات تصميمية لا تنطوي على إهمال وانكار ما هو مألوف معمارياً وحسب بل إن نوعية العمارة المنجزة لم يكن لها قرين في الممارسات البنائية المعتادة.

إجمالاً، يمكننا حصر الجهد التصميمي وقتذاك في صنفين اثنين، هما: عمارة الأبنية العامة وعمارة الأبنية السكنية. وكلا الصنفان أغنيا عمارة الثلاثينات بروائع تصميمية تعد رموزاً وشواخص للعاصمة بغداد.

فمبنى الميناء الجوي(1931) - مطار المثنى حالياً، والضريح الملكي في الأعظمية (1934) ومبنى المعرض الزراعي/ الصناعي (1932) في باب المعظم (وزارة الخارجية سابقاً) ومبنى الكلية الطبية في نهاية العشرينات، وبناية كلية الهندسة (1936) ومعهد الفنون الجميلة (1936) في الكسرة، ومكتبـة الأوقاف في باب المعظم (1931) (التي أزيلت مؤخـراً) ومقر وزارة الدفاع في القلعة (1936)، وقصر الزهور (1933)، والمستشفى الملكي (1934)، ودار المعلمين الابتدائية (1936) والنادي "الاولمبي" في الأعظمية (1939).. كل هذه المباني وغيرها باتت شواهد مهمـة وعلامات مضيئة في معالم المدينة الجديـدة. ولقد امتازت تكوينات هذه المباني بتماثلية واضحة مما منحها قيمة رسمانية عالية وأكسبها قوة وهيمنة كبيرتين على ما جاورها وأمست تبعاً لذلك شواخص استدلالية للتعرف بالعاصمة.

ولئن كان التعامل مع عمارة البيت السكني أمراً سهلاً وبسيطاً لدى الكثير من سكنة بغداد سابقاً فأن العقد الثلاثيني أفرز عمارة سكنية هي في واقع الحال مرحلة متطورة ومتقدمة، كما أنها مغايرة تماماً للمفهوم المقترن بالبيت السكني التقليدي.

في الثلاثينات أفرزت الممارسة البنائية للدور السكنية حدثاً معمارياً ينطوي على أمرٍ مهم لكنه جديد ومؤثر. وهذا الامر ينحصر في أن المنظومة التكوينية الجديدة لعمارة البيت السكني باتت تؤلف البيئة العامة للممارسات البنائية التي شاعت في الثلاثينات، وبعبارة أخرى، أن النسق أضحى سياقاً، وهو أمر نادر الحدوث في تاريخ العمارة العالمية ويمثل الحالة الدراماتيكية التي جسدها العقد الثلاثيني.

فمن المعلوم أن الحركات التجديدية المعمارية في بدء ظهورها تثير قدراً متواضعاً من الاهتمام بها في حين تظل تطبيقاتها محصورة في هامش مساحي صغير من الممارسات الفعلية. أي أن النسق التصميمي الجديد ومنظومته يظلان لأمد طويل نسبياً يعتبران بمثابة حدث (نخبوي) ينطوي على سمـة تغريبية تنأى به بعيداً عن مفهوم الممارسة العادية وسياقاتها المألوفة.

بيد أن أمراً مثيراً هو الذي حدث في عمارة الثلاثينات، إذ لم تعد ممارسة العمل التجديدي ببغداد عملاً حكراً على الصفوة واهتمامها وإنما أمراً معمارياً مشاعاً وعادياً، فما تم إنجازه من بناء في جميع أطراف بغاد المستحدثة لا يترك مجالاً للشك في تداخل النسق مع السياق، حتى بات من الصعب معرفة أيهما يؤثر في الآخر، بل ومن المتعذر تفريق الوارث عن الوريث. وهنا تكمن إثارة وخصوصية عمارة العقد الثلاثيني.

ثمة تدرج تكويني واضح ولكنه سريع مرت به عمارة الأبنية السكنية في صيرورتها، وكذلك في ابتعادها عن أسلوب تكوينات البيت التقليدي، لتنتهي أخيراً عند أنموذجها الثلاثيني المتكامل والأمثل.
فاللهجة التغييرية كانت خافتة في بدء ظهورها في نهاية العشرينات واقتصـرت على ملء وبناء جميع مساحة القطعة المفرزة ذات الأبعاد الهندسية المنتظمة، بذات النمط التكويني السابق تقريباً مع انفتاحية خجولة نحو الخارج في الطابق الأرضي، والاعتماد على الطابوق كمادة إنشائية رئيسية، مع إهمال الخشب واستخـدام "العقـادة" بالطابوق مع الروافـــد الحديدية (JACK ARCHING) للتسقيفات، ثم في مرحلة لاحقة انغلق الفناء الوسطي المفتوح ليمسي فضاء "هول" العائلة مع اتصال مباشر بالمدخل، وظهور الحديقة في الجهة الجانبية أو اتصال مباشر بالمدخل، وظهور الحديقة في الجهة الجانبية أوالخلفية كأحد الفضاءات المكشوفة لعناصر البيت السكني، ثم ليؤدي كل ذلك إلى الأنموذج المتكامل الذي يمكن إجمال عناصره التكوينية بتوقيع وسطي ضمن قطعة الأرض محاط بالمساحات الخضراء من جميع الجهات، أعلى منسوباً من مستوى الشارع، وأكثر انفتاحاً عليه، وتوظيف عناصر زخرفية وتكميلية عديدة، يعود أكثرها بمرجعيته لثقافات وحضارات غير محلية، مع الاقتصار على الطابوق كمادة إنشائيـة ونهائية بالإضافة إلى الدقة العالية والبراعة في الإنجاز توازيها حرفية ماهرة وصنعة حاذقة للعناصر التكميلية، مثل الأبواب والنوافذ والسياجات. ويمكن للمرء أن يتابع ذلك "التـدرج التكويني" كمـا أسمينـاه بصورة ملموسة وواقعية عندما يتفحص بيوت البتاويين (خلف عمارة مرجان مباشرة) التي أنشئت في بداية الثلاثينات، وأمثلة أخرى للطور الأول من هـذا التدرج، ثم قسماً من بيوت العيواضية، كدار الفريق صالح صائب الجبوري، على سبيل المثال، ممثلاً للطور الثاني، وأخيراً بيوت محلـة نجيب باشا كدار السيد رؤوف السعد في شارع طه، ممثلاً للطور الأخير ولتثبت تنويعات هـذا الطور عند نماذج دار الدكتور هاشم الوتري في العلويـة وبيت الأستاذ محمد حديد في السعدون ودار الأستـاذ كامل الجادرجي في شارع طه(10).

وأخيراً يمكن القول ان مرحلة الثلاثينات تعتبر المرحلة (التأسيسية). فقد انطوت على لغة متجانسة من الطرح التصميمي، بيد أن هذه اللغة ـ على الرغم من حداثتها ونزعاتها التجديدية مقارنة بما كان يجري سابقاً ببغداد ـ ظلت بإطارها المرجعي محكومة بنوازع تكوينات عمارة الطراز النيو/ كلاسيك (الكلاسيكية الجديدة) الذي يعود زمنه إلى منتصف القرن التاسع عشر بكل سماته المعروفة التماثلية الفاضحة والمحاور القوية للتكوين والاستخدامات القسرية لعناصر معمارية محددة ومعينة، الأمر الذي لا يمكن اعتبار ما تم إنجازه مساهمة ما أو إضافة ما لإغناء الفكر المعماري الإقليمي أو العالمي.

ووفقاً لمستوى هذا المعيار التقييمي، فان نسق وسياقات التكوينات التصميمية لعمارة الثلاثينات في صيغتها العامة ما هي إلاّ صدمة حضارية انطوت على غربة مزدوجة: غربة الزمان وغربة المكان.
زماناً: لأن العمارة العالمية خطت خطوات كثيرة وابتعدت بمسافات شاسعة عن مفاهيم أسلوب الكلاسيكية الجديدة وانغمست وقتذاك بنقاش حاد حول مصداقية قيم ومباديء "العمارة الحديثة".
ومكاناً: عندما باتت المفردات التعبيرية والرمزية للغة العمارة الكلاسيكية بعيدة جداً عما يمكن أن يفضي إليه التطور التدريجي لعمارة المنطقة. وأياً كان نوع التقييم والتقويم، فان عمارة الثلاثينات ما فتئت تمثل صفحة مهمة في سجل موروثنا المعماري. وبالتالي فإنها جزء لا يتجزأ من خزين ذاكرتنا وذاكرة الوطن غير القابلة للنسيان، ذاكرة لا يمكن تزييفها مثلما لا يمكن اختلاقها.

إن محاولتنا إثارة خصائص ومميزات عمارة الثلاثينات ينبغي أن لا ينظر إليها كونها (نوستالجيا) ـ الحنين إلى الماضي، بقدر ما تمثل هذه العمارة أنساقاً تصميمية جديدة ومبدعة؛ كان لها تأثير عميق ونفوذ كبير في تشكيل وصياغة عمارة الفترات اللاحقة ضمن مسيرة العمارة العراقية الحديثة؛ كما هي الحال في تطور العمارة العربية الحديثة،على وجه العموم.

 

 

الهوامش:
 (1)  الدليل العراقي الرسمي لسنة 1926، ص 762-768
(2) عمل في هذه الفترة معماريون ومهندسون من جنسيات مختلفة؛ من انكلتـرا، ومن الهند ومن بعض البلدان الأوربية، وكذلك من الأقطار العربية المجاورة (كبدري قدح) المعماري السوري الذي صمم في الثلاثينات كثيراً من البيوت السكنية، كدار الأستاذ عبـد العزيز القصاب، ودار الأستاذ محمد حديد كما أنه صمم (كلية فيصل) في الأعظمية.
(3)  تم إنشاء شبكة أنابيب إسالة الماء لأول مرة ببغداد سنة 1907 وكانت تخدم مناطق محددة وقليل من بغداد الشرقية فقط  وكان عملها من دون تصفية وتعقيم.
(4) تم نصب أعمدة الكهربـاء لأول مرة ببغداد سنة 1917، وقد أنجِز في البدء إنارة الجادة الجديدة (الرشيد حالياً).
(5)  رفعة الجادرجي: (الأخضر والقصر البلوري) لندن - قبرص 1991، ص 509.
(6)  وفقاً لمخطط محلات بغداد الذي رسمه د. أحمد سوسه فان مساحة بغداد / المركز كانت بحدود (2922) دونماً (أي ما يعادل 7,3 كم2) في حين بلغت مساحة مناطق ضواحي بغداد الجديدة حوالي (210044 دونماً) أي ما يعادل  25,11كم2). أنظر أطلس بغداد -1952.
(7)  باقر الورد - حوادث بغداد - في 12 قرن - بغداد 1989، ص 295.
(8)  المصدر السابق نفسه، ص 301.
(9)  المصدر السابق نفسه، ص 296.
(10) مسح ميداني بإشراف د. خالد السلطاني.

 

 
Design by computer2004.nl