ثقافة الهوية والمواطنة

 

العراق: إحياء تهمة الشعوبية.. والتخوين بالتعجيم..!

د. رشيد خيون ـ لندن

 

أخذت مادة مسودة الدستور العراقي، الخاصة بانتماء العراقيين القومي، حيزاً كبيراً من اهتمام العرب السياسي والإعلامي، وهو يتراوح بين حريص على صلة العراق بالمحيط العربي وبين باكٍ على اندحار الفكر العروبي بسقوط نظامه الأمثل، ملوحاً بالشعوبية تهمة وكأنه يعيش تبادل المثالب في عصر الأمين والمأمون، وباثاً الروح في مصطلح التعجيم، الذي ينـتزع عروبة كل شيعي عراقي. يجد في ما كتبه الباحث أحمد أمين مثالاً يقتدى، فقد سبق إلى ربط الشيعة بالشعوبية. قال في «ضحى الإسلام»: «وأما التشيع فقد كان عش الشعوبية». بينما كان المرجع الشيعي الشريف المرتضى (ت463هـ)، مِن ألد أعداء تركة الشعوبيين.

قال أمين هذا وهو يعلم أن التشيع ظهر بين قبائل العرب بالكوفة، بينما تأخر تشيع إيران حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ومثلما تحولت مصر إلى التسُنَّن بانقلاب تحولت إيران إلى التشيع بانقلاب أيضاً. حتى قيل: «سبحان مَنْ جعل مصر الشيعية سُنَّية وإيران السُنَّية شيعية». ومن المفارقة بمكان أن يغضب النجفي، وهو ابن المعقل الشيعي، من الإشارة إليه بالإيراني، وإن كان مزحاً. وليس من مبالغة إذا قلنا إن كراهة مفردة العجمي عند الشيعي العراقي، لألمه منها، تشابه كراهة لفظة الشيطان عند مواطنه اليزيدي.

وبلا دراية بتاريخ الناس، أشار أحد المعلقين السياسيين العرب إلى نائب البرلمان، حسين الشهرستاني بالعراقي الجديد. ومع اختلافنا مع الدكتور الشهرستاني، وأمنيتنا له أن يتفرغ لمجاله الذري، إلا أن الرجل عراقي أباً عن جد، فهو حفيد المثقف ورجل الدين هبة الدين (ت 1967)، ولد الجد بسامراء عام 1884، وتولى وزارة المعارف (1921)، ثم رئاسة مجلس التمييز الشرعي (1923). وقبل هذا أشار ساطع الحصري إلى محمد مهدي الجواهري بالإيراني (مذكراتي بالعراق)، وهو حسب طه حسين «صناجة العرب»، وقد تكفل بدراسة أولاد الشاعر على حساب الدولة المصرية حتى نهاية الدراسة الجامعية. وكان رد الجواهري على الحصري: «ما كنت لاستنكف أن أكون من أمة أخرى لو كنت كذلك بالفعل، لكن ساطعاً أراد أن يفرض عليَّ انتماء آخر، وأن يقدمني هدية إلى أمة أخرى» (مذكرات الجواهري). وعند الشعوبيين النبلاء من أصحاب التسوية لا فرق بين الحصري القادم تواً إلى العراق من سوريا وبين القادم من إيران إلا بالتقوى. هذا، والكل يعلم أن سوريا لم تتهم بالشعوبية عندما وقفت مع إيران ضد العراق العروبي البعثي أوان الحرب بين الدولتين.

هناك أمثلة أخرى على ربط تهمة الشعوبية والتعجيم بالمصالح الطائفية والأغراض السياسية لا بالحقائق: فالإمام أبو حنيفة، وهو إمام أغلب سُنَّة عرب العراق، يُصر على فارسيته من قبل باحثين سُنَّة، رغم أن الروايات توكد أنه عراقي من أُصول غير عربية. وأن ابن خلدون رغم كثرة ثلبه للعرب لم يتهم بالشعوبية. بينما يتهم بها أبو نواس، مع أنه ثلب العرب والموالي معاً. ومع ذلك يصر الحصري على الدفاع عن ابن خلدون، وإعجاباً سمى ولده خلدوناً، وجعل عنوان قراءة الصفوف الابتدائية «الخلدونية». بينما دفاعاً عن العرب وقف الوجيه الشيعي (الشعوبي المفترض) وزير المعارف عبد المهدي المنتفكي وطلب إبعاد اسم ابن خلدون. واتفق رأيه مع رأي متطرف عروبي الطبيب سامي شوكت، عندما دعا إلى «نبش قبره وإحراق كتبه». قال الحصري: «ابن خلدون يعتبر من أكبر مفاخر العرب.. فالدعوة إلى نبش قبره وإحراق كتبه كان يمثل هرطقة فكرية» (مذكراتي في العراق).

بعدها أطلق القوميون على مَنْ خالف حماسهم للوحدة العربية الاندماجية 1958 بالشعوبيين، دشن هذه الثقافة المؤرخ عبد العزيز الدوري في «الجذور التاريخية للشعوبية» (1962)، ودشنها رسمياً عبد السلام عارف. أخذ الأخير يشير إلى الشيعة في قيادة البعث، بعد انقلاب شباط 1963، بالشعوبيين والعجم. وبعد انقلابه على الحرس القومي أذاع بيانه الأول بعبارة: «إن ما قام به العابثون الشعوبيون». إشارة إلى الشيعة القياديين: علي صالح السعدي وسواه. وقد جرى على ألسنة العامة ما عُرف بالشينات الأربعة: شيعي، شعوبي، شيوعي، شروكي (تطلق على أهل الجنوب)، وكثيراً ما كانت هذه الألقاب تحول دون التوظيف في وظيفة مرموقة. كان إيذاء المواطن بوطنيته سياسة عريقة في الدولة العراقية، لكنها برزت نهجاً ثقافياً وإعلامياً في ظل النظام السابق، فصدر عن دار الرشيد الرسمية للقيادي البعثي عبد الله سلوم السامرائي «الشعوبية حركة مضادة للإسلام والأمة العربية». وما كتبه منظر البعث اللبناني الياس فرح كان أبلغ، ناهيك مما كتبته الدولة من افتتاحيات جارحة في «الثورة» و«بابل». فماذا يخلف مثل هذا النشاط المحموم في النفوس سوى التهاون إلى حد القطيعة مع انتماء لأرومة مبني على أساس الكراهية. والكل يعلم ليس هناك أكذب من قصة الدماء النقية، وأعنف من اتخاذها عقيدة.

 

 

الأفضل للعراقيين إعادة النظر في مفاهيم المواطنة، وهم أمة مختلطة، لا تندمل جراحهم التاريخية، من تمييز قومي ومذهبي وديني، إلا بهوية واحدة متعددة. فمثلما يصعب تحديد المذهب الديني في دستور الدولة، كذلك يصعب تحديد انتماء لأرومة عربية مع وجود الكردي والتركماني وغيرهما. بعبارة أخرى لا يعني الإصرار على تثبيت النسب القومي والمذهبي في الدستور غير ترك الجروح نازفة، وليس هناك من جدية في التطبيع والتأقلم بين نواحي العراق وكردستانه.

لقد ولى زمن استقدام قوة عسكرية عروبية وحدوية، مثل التي طلبها (1963) وزير الخارجية صبحي عبد الحميد من مصر عبد الناصر، لأجل «تليين عناد الأكراد، واقناعهم بضرورة الوصول إلى حل سلمي مع الحكومة المركزية» وبشروطها طبعاً (كنت سفيراً بالعراق). أقول: ليس هناك غير التوافق، وتكريس الهوية العراقية، بها تزدهر البلاد بعربها وكردها، بسنتها وشيعتها، وباقي مكوناتها بعيداً من تهمة الشعوبية والتخوين بالتعجيم. إن عدم تفضيل انتماء قومي أو مذهبي على آخر دستورياً هو جوهر التسوية بين اقوام وفئات العراق، تقيداً بشعوبية سليمة مستنيرة بقول كريم: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

العودة الى فهرس العدد اطبع هذه الصفحة