...لمحة عامة: إحتلال الوطن واستشهاد القديسات

العراق في الفترة الآرامية( كلمة بيث، بالآرامي، تعني منطقة)

 

تتحدد هذه الفترة منذ سقوط بابل في (539) قبل الميلاد على يد الفرس الأخمينيين بسط الإيرانيون نفوذهم على بلاد الرافدين حتى القرن السابع حيث الفتح العربي الاسلامي، أي ما يقرب (11) قرناً. يمكن تشبيها بالفترة المظلمةالتي اعقبت سقوط الدولة العراقية العباسية. ليس فقط من ناحية الانحطاط الحضاري الشامل الذي سادها، ولكن لأن العراق قد خضع ايضا لنفس القوى الاقليمية التي تنافست على احتلاله بعد سقوط الدولة العباسية، وهي ايران (بمختلف سلالاتها البارثية والاخمينية والساسانية)والاناضول واوربا( بمختلف سلالته الاغريقية والرومانية والبيزنطية).. لكن في هذه الحقبة، كانت الغلبة للسيطرة الايرانية، التي دامت اكثر من تسعة قرون: الاخمينيون (قرنان)، البارثيون (ثلاثة قرون)، الساسانيون (اربعة قرون)، وقد قطعت السيطرة الايرانية بسيطرة اغريقية دامت قرنين، بين القرن الرابع والثاني ق.م.

 خلال اكثر من 11 قرن غابت تماما اية دولة عراقية، وتحول فيها الوطن الى ساحة للحروب والمنافسة والتآمر بين القوتين الكبيريتين المتنافستين، في الشرق وفي  الشمال الغربي. تخلل هذه الحقبة ثورات وتمردات فاشلة قام بها العراقيون. رغم السيطرة الايرانية الغالبة، الا ان الرومان والبيزنط عندما كانوا ينجحون احيانا باجتياح العراق كانوا ينتقمون من العراقيين قتلا وحرقا لمدنهم. فالامبراطور الروماني (تريانوس) بعدما فتح (المدائن) سنة(115م) اضرم لهيب الاضطهاد في العراقيين واهلك منهم الكثيرين.

  لكن رغم الضعف السياسي العسكري، فأن اهل النهرين  قد تمكنوامن الحفاظ على هويتهم السكانية والثقافية والدينية المتميزة عن إلايرانيين والاغريق. وقد تعرضت الثقافة العراقية الى تغيير جذري من الناحيتين، اللغوية والدينية.  واكبر دليل على عمق الهوية العراقية وتجذرها، ان هذا التغيير اللغوي والديني لم يأتي بـتأثير القوى الايرانية والاغريقية المهيمنة، بل هو تطور داخلي طبيعي. من الناحية اللغوية، فقد حلت اللغة الآرامية (العراقية الشامية) محل اللغة الاكدية، وهاتين اللغتين قريبتين لبعض فهن من نفس الاصل. وقد فرضت الآرامية نفسها من خلال الكتابة الابجدية(الحروفية) التي اخترعها الشاميون  وحلت محل الكتابة العراقية المسمارية(الرمزية) التي لم تعد تواكب العصر. اما من الناحية الدينية فقد صمد العراقيون بوجه التأثير الايراني المجوسي والديانة الاغريقية، وظلوا محافظين على ديانة اسلافهم (عبادة الكواكب) حتى القرن الاول الميلادي، حيث بدأت تحل بالتدريج الديانة المسيحية الشامية.

الخط المسماري، ابداع عراقي صميم، وهو  اقدم  نظام كتابي في تاريخ البشرية( حوالي 3000 ق.م) (سبق الخط المصري الهيروغليفي بعدة قرون)، وقد تبنته جميع شعوب الشرق الاوسط، وبقي سائدا حتى القرن الميلادي الاول، حيث بدأ ينزاح بسبب صعوبته، لتحل محله الكتابة (الحرفية) الآرامية التي ابدعها الشاميون.

 

الخط الآرامي، الذي منه اشتق الخط العربي

 

 لقد بلغت قوة العراقيين الحضارية انهم فرضوا الكثير من ميراثاتهم الثقافية على المحتلين انفسهم. إذ تحولت اللغة الآرامية (السريانية) لغة الثقافة الأولى في الامبراطورية الإيرانية نفسها، وانحصرت اللغة الفارسية (البهلوية) في البلاط الحاكم ورجال الدين المجوس. بل ان الايرانيين اقتبسوا الابجدية السريانية لكتابة لغتهم البهلوية،  بعد تخليهم عن الكتابة المسمارية العراقية ايضا!

ومع انبثاق المسيحية في بلاد الشام في القرن الأول الميلادي، بدأت بالتدريج تتسرب الى العراق من القسم الشمالي (الرها ونصيبين) ثم نينوى وكرخاسلوخ (الاسم السرياني لكركوك) حتى ولاية بابل ومنها الى ولاية ميسان في الجنوب (وكانت تشمل كذلك البصرة والأهواز). ولم يمضي القرن الرابع الميلادي حتى اصبح المسيحية ديانة الغالبية الساحقة من العراقيين وتكونت الكنائس في جميع القرى والمدن العراقية. وكانت هذه المسيحية مصحوبة بتيارات عرفانية(صوفية)، قادمة من الشام ومصر، مع بعض التأثيرات الإغريقية. كان هناك ايضاً تواجد مهم لطوائف يهودية نشطة في انحاء النهرين، بالاضافة الى الصابئة الذي يعتبر اول دين(عرفاني ـ غنوصي) ممهد للديانة المسيحية.  كذلك تعتبر (المانوية) لمؤسسها (النبي ماني البابلي)اهم الطوائف العراقية التي نجحت ان تنافس المسيحية، وتمكنت ان تصبح ديانة عالمية مقرها في بابل.

 

ظهور المرأة مع ظهور الحضارة الوطنية

 

 

يمكن تقسيم هذه الفترة الطويلة الممتدة خلال (11) قرن، الى حقبتين:

 ـ الحقبة الاولى المظلمة، وتمتد من القرن السادس قبل الميلاد حيث سقطت (بابل) عاصمة آخر دولة عراقية، على يد الفرس، حتى القرن الاول الميلادي. وقد ظل العراقيون خلالها في سبات حضاري بسبب شدة الانتكاسات التي توالت عليهم وفشل ثوارتهم المتوالية ضد الفرس والاغريق. رغم ان السلالة السلوقية الاغريقية قد اتخذت (سلوقيا ـ قرب بغداد) عاصمة لامبراطوريتهم الشرقية، خلال حوالي قرنين، إلا ان هذا لم يشفع للعراقيين ولم يرجع لهم عافيتهم وروحهم الابداعية المعتادة. يمكن تشبيه هذه الحقبة بالقرون الاولى التي اعقبت سقوط بغداد العباسية. هنالك شحة كبيرة بالمصادر التي تتحدث عن نشاطات العراقيين في هذه الفترة، ناهيك عن غياب ذكر النساء، اللواتي من الطبيعي ان ينزوين في بيوتهن في مثل هذه الحقب المظلمة.

Chêne

الاسكندر المقدوني، مات ودفن في (بابل)..

موته السريع افشل مشروعه باعادة امجاد النهرين

 

    ـ حقبة الصحوة، والتي اعقبت الحقبة السابقة، وتبدأ بالقرن الاول الميلادي حتى الفتح العربي الاسلامي في القرن السابع، وفيها بدأ العراقيون بصورة بطيئة جدا يشفون من جراحهم ويصحون من كبوتهم ويستعيدون بالتدريج قواهم الانسانية والحضارية، وقد اتخذوا من المسيحية وسيلة روحية لهذه الصحوة. واستمرت هذه الصحوة الحضارية بالتنامي، رغم ما تخللتها من نكسات وخسائر كثيرة، حتى بلغت ذروتها مع ظهور الاسلام وصعود العراقيون مرى اخرى الى قيادة النهضة الحضارية العالمية وإعادة احياء (بابل) تحت إسم(بغداد). 

          هنالك عدة معالم ظهرت خلال حقبة الصحوة هذه، ومن اهمها:

        1 ـ ظهور دويلة(امارة) الحضر(العراقية)، غرب الموصل، ودامت حوالي حوالي قرنين، وهي شبه مستقلة بدرجات مختلفة من التبعية للدولة الفارسية الحاكمة عموما واحيانا للرومان في الشام. ان حضارة  هذه الدولة كانت ناطقة بالآرامية وتؤمن بديانة الكواكب العراقية، مع تأثر واضح بحضارة الاغريق والرومان.  ويبدو ان المرأة الحضرية كان لها دورا متميزا وعلنيا من النواحي السياسية والدينية.

     2 ـ انتشار المسيحية وتركزها ضمن المذهب النسطوري الذي تحول الى مذهب عراقي خالص، بالاضافة الى اقلية من طائفة السريان اليعاقبة الشامية. وقد قدمت المسيحية الكثير من الاعلام الدينية والادبية ولعبت دورا حاسما في منح العراقيين بعض الثقة بانفسهم وبخالقهم وشجعت روح الالفة والتضامن فيما بينهم. وكانت الخطوة الحضارية الكبرى للمسيحية العراقية، انها اسست المدارس في جميع الكنائس المنتشرة في القرى والبلدات العراقية، لتعليم القراءة والكتابة والدين والمعارف المختلفة.  وقد قدم المسيحيون العراقيون (كذلك المانويون) مئات الآلاف من الشهداء  والشهيدات قتلوا على يد السلطات الايرانية خلال حقب متقطعة عديدة.  وظلت اللغة الآرامية لغة جميع الكنائس العراقية، كذلك لغة باقي العراقيين من مانوية وصابئة ويهود. وقد منحت المسيحية للمرأة دورا دينيا محدودا كراهبات خصوصا، لكن تقديس السيدة مريم العذراء منح  للانوثة قيمة فدسية عليا.

(طاق كسرى) للقصر الملكي الساساني، في (المدائن) بتسميتها الآرامية( وهي جنوب بغداد)، او (طيسفون) بالفارسي، او (سلوقيا) بالاغريقي، عندما بنوها في القرن الرابع ق. م لتكون عاصمة امبراطوريتهم السلوقية. وكانت ايضا عاصمة الساسانيين الشتوية مع عاصمتهم الصيفية (سوسة) في ايران. يلاحظ ان نمط البناء هذا، هو نمط عراقي اصيل وقد صممه مهندسون عراقيون مستوحين طريقة الاقواس التي يعتبر اهل بابل اول من ابدعها.

 

  3 ـ ظهور الديانة المانوية(القرن الرابع م)  كديانة عراقية انتشرت عالميا وقد اصبحت (كنيسة بابل) المقر العالمي لهذه الديانة. ورغم الدور الثقافي المتميز  والابداع الادبي والفني الكبير للنبي (ماني البابلي)، إلا انها  للأسف قد همشت المرأة وفرضت على المؤمن المتمرس تجنب المرأة وعدم الزواج والانجاب.

  4 ـ بروز شخصيات عراقية خلال هذه الحقبة، تمكنت من اخذ ادوارا سياسية في داخل الدولة الايرانية الحاكمة، ومن ابرز هذه الشخصيات ( الملكية شيرين) زوجة الامبراطور الايراني (كسرى الثالث) وهي عراقية من ميسان، وكانت مسيحية مثل باقي العراقيين ولعبت دورا متميزا بحماية المسيحية العراقية. بالاضافة الى شخصيتها المتميزة بحيث انها اصبحت بطلة لاسطورة ايرانية شهيرة باسم ( شيرين وفرهاد)..

(قلعة اربيل) (اربي إيلو) أي مدينة (الآلهة الاربعة) وهي مركز منطقة (حدياب) شمال النهرين،

وتعتبر من اقدم المناطق المسيحية الآرامية العراقية، بعد ان كانت قبلها مركز عبادة (عشتار)..

 

 5 ـ ظهور دويلة(امارة) المناذرة في الحيرة (قرب بابل القديمة) وكانت لغتها طبعا آرامية وديانتها مسيحية نسطورية، ولعبت دورا سياسيا ودينيا وثقافيا متميزا، حيث تحولت الى مركز جذب للكثير من الشعراء وكذلك رجال الدين المسيحيين. وقد لعبن بنات المللك المنذر( هند واختها) ادورا رمزية دينية معروفة من خلال بناء الاديرة مثلا. 

ونحاول فيما تبقى من هذا القسم، ان نتحدث عن شخصيات نسوية تمثل كل واحدة من هذه المعالم الخمسة المذكور اعلاه.

 

ـــــــــــــــــــــ

العودة للفهرس