(تراث ادبي)

ابو نؤاس والاديان الاخرى..

د. عدنان الظاهر ـ المانيا  Dr.A.Al-Dhahir@gmx.de    

 

لِمَ لجأَ وما زال يلجأ الكثير من الشعراء العرب المسلمين إلى توظيف الأديان الأخرى في شعرهم إشارةً أو تلميحاً أو إستعارةً أو مجازاً ؟ ما الذي يعنيه لهم الدين الآخر وما الذي يُغريهم فيه ؟ هل قرأوا ثم إستوعبوا هذه الأديان مغزى وتفصيلاً وجوهراً ؟ هل وظّفوا هذه الأديان الأخرى بنمط واحد ولخدمة غرض واحد وبإسلوب ونهج واحد ؟

أضع هذه الأسئلة إبتداءً لأتناول هذه الظاهرة في شعر عدة من الشعراء المعروفين قديماً وحديثاً. فلقد تتبعت الأمر في دواوين أبي نؤاس والمتنبي والسياب ثم البياتي.كما أشرتُ هنا وهناك إلى أمثلة أخرى لها علاقة بالموضوع قالها هذا الشاعر أو تلك الشاعرة.

تجدر الإشارة إلى أنَّ هؤلاء الشعراء جميعاًلم يغفلوا الدين الإسلامي كليّةً فيما قالوا من شعر. فلقد إستعاروا أجزاءً من بعض آيات القرآن الكريم وضمّنوها شعرهم لكنهم، وبشكل يُلفت النظر، أخذوا الكثير من تراث الإسلام ومن شخصياته الشهيرة وخاصة تلك التي لعبت أدواراً حاسمة في بعض مفاصل تأريخ وتطور الدولة العربية الإسلامية.

 

أبو نؤاس، الحسن بن هانيء

أستطيع القول وأنا مطمئن غاية الإطمئنان إن أبا نؤاس((762 – 814 ميلادية / 145 – 199 هجرية))(الشاعر العراقي الاحوازي) هو من أكثر الشعراء إستخداماً وإستعارةً للمسيح والدين المسيحي وما يتفرع عنه وما يتصل به من طقوس وشعائر. لقد أحصيت الأمثلة فوجدتها 37 مرةً جاء أغلبها أُنموذجاً واحداً في قصيدة واحدة. لكنَّ الشاعر شاء أن يتعرض للموضوع خمس مرّاتٍ في خمسة أبياتٍ من قصيدة واحدة قصيرة

(قصيدة بدر في اُفق / الصفحة 448 من الديوان). جاء في هذه القصيدة القصيرة ذكر الصليب والكنيسة والمسيح والإنجيل والبيعة.كما أنه أشار إشارات قليلة عابرة إلى اليهود أو الدين اليهودي.

ما سبب ولع أبي نؤاس بالنصارى والنصرانية ؟ ليس الأمر سرّاً من الأسرار. فلو تتبعنا تواتر ورود هذه الظاهرة في أشعاره نجدها مرتبطة وملتصقة بالخمور وحاناتها وبالخمارين وبصاحبات هذه الخمّارات. بيع الخمور وحانات تعاطيها أمور كانت مُحرّمة على المسلمين. وأبو نؤاس على ما نعرف من ولع بالخمرة والشراب ومجالسة ندماء الصهباء والطرب. فلو ألقينا نظرة عجلى على تمثاله القائم على ضفاف نهر دجلة في بغداد لرأينا الرجل يحمل كأساً، وعلى قاعدة هذا التمثال محفور بيت شعره الذي يقول فيه

 

               ألا فاسقني خمراً وقلْ لي هي الخمرُ   ولا تسقني سِرّاً إذا أمكنَ الجهرُ

 

ولقد ناله الحيف والسجن من قِبل الرشيد والأمين جرّاء إسرافه في إعلان شغفه بتعاطي الخمرة ومجونه وغزله الغلماني الصريح.

جُلَّ ما قال أبو نؤاس في النصارى والنصرانية إنما قاله وهو منغمر حتى قمة رأسه في أجواء السكر والشراب والمجون في خمّارات تُدار من قبل نصارى تملكاً أو خدمةً. سأسوق أمثلة على ما أقول((ديوان أبي نؤاس / دار صادر، بيروت، بدون تأريخ)).

قال في جملة ما قال في قصيدة(خمرة كالنار المتأججة / ص 11 من الديوان) :

 

لا يصرِفنّكَ عن قصفٍ وإصباءِ   مجموعُ رأيٍ ولا تشتيتُ أهواءِ

 

واشربْ سُلافاً كعين الديكِ صافيةً   من كفِّ ساقيةٍ  كالريمٍ  حوراءِ

وصفّقوها  بماءِ  النيلِ إذْ  بَرَزتْ   في قِدرِ قَسٍكجوفِ الجُبِّ روحاءِ

 

كأنها  ولسانُ   الماءِ  يقرعها   نارٌ  تأججُ  في  آجامِ  قصباءِ

 

لها  من المزجِ في كاساتها حَدَقٌ   ترنو إلى شَربها من بعد إغضاءِ

 

فاشربْ هُديتَ وغنِّ القومَ مبتدئاً   على  مساعدةِ  العيدانِ  والناءِ

 

لو كان زُهدكِ في الدنيا كزهدكِ في   وصلي، مشيتِ بلا شكٍّ على الماءِ      

 

المشي على الماء خبر ورد في الإنجيل عن السيد المسيح((وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوعُ ماشياً على البحر / إنجيل متّى، الإصحاح الرابع عشر، 25)).

لقد إستعار الشاعر أحمد شوقي صورة المشي على الماء في قصيدته التي كتبها خصيصاً لمدح الملك فيصل الأول(أول ملك على العراق) والتي غنّاها الفنان محمد عبد الوهاب بطلب من أحمد شوقي حين زار الفنان العراق. يقول مطلع القصيدة :

 

يا شراعاً وراءَ دجلةَ يجري

حتى يقول شوقي:

قفْ على الماءِ كالمسيح رويداً …

 

إستعارة أحمد شوقي جيدة إذ أنَّ المسيح، كما ورد في الإنجيل، مشى على سطح بحيرة طبرية لكي يُنقذ السفينة التي أقلّت حواريه من الغرق نتيجة لهبوب ريح قوية. ففيصل هو من كان معوّلاً عليه أن يقود وأن ينقذ العراق بعد تأسيس الحكم الوطني فيه عام 1921. وبحيرة طبرية في شمال فلسطين يقابلها نهر دجلة في وسط العراق. ويسوع منقذ البشر يقابله فيصل(شراع دجلة) الذي سينقذ العراق من هيمنة المحتلين الإنكليز.

لقد عاد أبو نؤاس فكرر في قصيدة " بين نارين " على الصفحة 18 من الديوان بيت المشي على الماء آنف الذكر:

 لو كان زُهدُكِ في الدنيا كزهدكِ في  وصلي، مشيتِ بلا شكٍّ على الماءِ.

 

في قصيدة(نفوس أحياء وأجساد موتى) / ص 28-29 قال أبو نؤاس في جملة ما قال:

وساقٍ غريرِ الطَرفِ والدلِّ فاتنٍ  ربيبِ ملوكٍ كان والدهم كِسرى

 

حثثنا مغنينا على شُربِ كأسه   فتُدركه كأسٌ وفي كفّه أُخرى

 

فأمسكَ ما في كفّه  بشمالهِ  وأوما إلى الساقي ليَسقيَ باليُمنى

 

فشبّهتُ كأسيهِ بكفيهِ إذْ بدا   سراجينِ في محرابِ قَسٍّ إذا صلّى

      

هذه هي صور أبي نؤاس الشعرية : كؤوس الخمرة في أيدي من يهوى وأجواء السكر توحي له وتستحضر في خياله صور بعض الطقوس الدينية المقدسة فيقارن تلك بهذه دونما حرج أو حياء. تُضيء الخمرة في كأسها وتشع كما يضيء ويشع بالنور سراج الكنائس وقت صلاة الرهبان. السكر لأبي نؤاس رهبنة وصلاة وجو قدسي. الحانة مكان الكنيسة وكأس الشراب بدل سراج الصلاة وأبو نؤاس هو الراهب !! إخترع أو أوجد الشاعر لنفسه ديناً خاصاً به، لكأنما كان يقول : أيها الناس، لكم دينكم وليّ ديني. لكم طقوسكم التي تقدسون ولي طقوسي ومقدساتي.

القصيدة طريفة، يساوم فيها أبو نؤاس تاجر خمور ويسميه " دهقان ". ويحوّل مبدأ المساومة على جرّة أو دن خمر إلى " خِطبة " لإحدى " بنات " هذا الدهقان، التاجر. كيف إستطاعت هذه الأمور أن تملأ كل هذا الحيز العظيم من حياته ووجوده.كيف يجد نفسه مغموراً بهذه الأجواء التي تفوح منها روائح أنواع المشروبات الكحولية التي برع في وصفها والتغزل بها ونعتها بشتى النعوت المعروفة وغير المسبوقة. كيف يتراكم كل هذا الوجد وعرام الرغبة في تعاطي الخمور في أعماق نفس وجسد الشاعر؟؟؟؟؟

نستمع إلى بعض ما قال في هذه القصيدة :

 

خطبنا إلى الدهقانِ بعضَ بناتهِ  فزوّجنا منهنَّ في خِدرهِ الكبرى

     وما زالَ يُغلي مهرَها ويُزيدهُ  إلى أنْ بلغنا منه غايته القصوى

 

رحيقاً أبوها الماءُ والكَرمُ أُمها  وحاضنها حرُّ الهجيرِ إذا يَحمى

 

يهوديةُ الأنسابِ مُسلمةُ القُرى  شآميةُ المَغدى عراقيةُ  المنشا

 

مجوسيةٌ قد فارقتْ أهلَ دينها  لبغضتها النارَ التي عندهم تُذكى

 

رأتْ عندنا ضوءَ السراجِ فراعها  فما سَكَنتْ حتّى أمَرنا بهِ يُطفى.

 

لقد مهّدَ أبو نؤاس في هذا البيت لموضوع سُرُج القسيس حين يتهيأ لقضاء صلاته في محرابه. وكان بذلك كعادته ذكياً بارع الملاحظة وقادراً على الربط بين الدال والمدلول.

 

في قصيدة(فتية كالسيوف) / ص 32 – 34 يقارن أبو نؤاس بين كأس ذهبية وما فيها من خمر يضاهيها لوناً فيقول :

 

أقولُ لمّا تحاكيا شَبَهاً      أيهما للتشابهِ الذهبُ

هما سواءٌ وفرقُ بينِهِما      أنهما جامدٌ ومُنسَكِبُ

 

مُلسٌ وأمثالُها مُحفّرةٌ     صُوِرَ فيها القسوسُ والصُلُبُ

 

يتلونَ إنجيلهم وفوقَهمُ    سماءُ خَمرٍ نجومها الحَبَبُ.

 

ومن طرائف إستعارات أبي نؤاس الأخرى ما جاء في قصيدة(جسمٌ سقيم وقلب لائع) / ص 64 وهي قصيرة في سبعة أبيات ذكر في ثلاثة منها الكثير مما يخص التراث المسيحي :

 

مُزنّرٌ  يتمشّى  نحو  بيعتهِ    إلههُ الإبنُ فيما قالَ والصُلُبُ

 

يا ليتني القسُ أو مطرانُ بيعتهِ    أو ليتني عنده الإنجيلُ والكتبُ

 

أو ليتني كنتُ قرباناً يُقرّبه    أو كأسَ خمرتهِ أو ليتني الحَبَبُ.

 

أخيراً لا بأس من ذكر القصيدة القصيرة التي كرر في خمسة أبياتٍ منها ذكر أمور لها علاقة مباشرة بالنصارى والنصرانية، أقصد قصيدة(بدرٌ في الأفق) / ص 448 :

 

عَلِقتُ من شِقوتي ومن نَكَدي  مُزنّراً والصليبُ  في  عُنُقِهْ

 

أقبلَ  يمشي  إلى  كنيستهِ  فكُدتُ أقضي الحياةَ من فَرَقِهْ

فقلتُ من أنتَ بالمسيحِ وبال   إنجيلِ سطّرتهُ على  وَرَقِهْ

 

وبالصليبِ الذي تُدينُ له ؟   فقالُ بدرُ السماءِ في اٌفُقِهْ

 

سألتهُ  عن  محلِ  بيعتهِ   فقالَ : في نارهِ وفي حُرَقِهْ.

 

القصيدة ليست من غُرر قصائد أبي نؤاس، لكني ذكرتها لكثرة ما حشر فيها، على صِغرها، من مفردات لا نعرفها إلاّ في الديانة المسيحية.

إذا ربط هذا الشاعر بين النصرانية وبيع وتعاطي الخمور التي لا يحرّمها هذا الدين، فما باله يُفرط في التغزل بالفتيان النصارى ؟ في ديوانه أمثلة كثيرة تُفصح عن نفسها، وفي إمكان القاريء الرجوع إلى الديوان.

 

العودة للفهرس