(تراث فني)

التعازي(التشابيه)..  طقس درامي عراقي..

د. فاضل سوداني ـ الدانمارك

fasoudani2@hotmail.com

 

 

حاول الاستشراق الغربي كعادته ان يمنح كل اصول تراثنا الى الخارج(الايراني الاغريقي الهندي)!! ومن ضمن هذا التراث العراقي، التراث الحسيني، وبالذات(طقوس التعزية ـ التشابيه) في عاشوراء. ومن ضمن تقولاتهم انها تعود الى الاغريق والى الايرانيين، وانها ذات اصول مجوسية!! بينما هنالك دلائل عديدة، على انها قديمة في العراق، قدم التشيع العراقي، أي منذ مقتل الامام الحسين(ع) في كربلاء. انها نشأت مع(حركة التوابين) الذين خرجو الى شوارع الكوفة بعد شيوع خبر مقتل الحسين، وراحو يندبون ويبكون على الشهيد. ومن دلائل قدم هذه الطقوس في العراق، انه في زمن سيطرة البويهيين(الشيعة) على بغداد العباسية، سمحوا للعراقيين بعمل طقوس العزاء في شوارع بغداد، بعد ان كانت ممنوعة قبلهم. هنالك من يربط هذه الطقوس كأستمرارية طبيعية، لطقوس صلب السيد المسيح التي كان يقوم بها نساطرة العراق، وايضا كاستمرارية لطقوس موت(تموز)(اله الخصب والذكورة) التي كانت تقام في شهر تموز حيث يموت فيه هذا الاله بسبب الجفاف والقحط، والتي كانت ايضا تدوم عشرة ايام، أي بالضبط مثل احتفلات(عاشوراء)!!

هذا البحث القيم والجديد الذي يقدمه لنا مخرج مسرحي ودارس ضليع في المسرح العراقي، غايته تسليط الضوء حو القيمة الفنية والمسرحية لطقوس العزاء الكربلائية. وقد عزم الباحث ان يقوم باصدار كتاب خاص بهذه الطقوس(التشابيه) يحفظها ويكشف عن عمقها التراثي وقيمها الفنية، لهذا فأنه يوجه نداءا الى جميع الاخوة والاخوات الذين يمتلكون معرفة او حفظوا قصائد وردات حسينة وشاهدوا التعزية او التشابيه، ان يكاتبوه على عنوانه الالكتروني المسجل في مع اسمه.. . (ميزوبوتاميا)

 

للطقوس الدينية المعروفة بالتعزية والتي مازلت تقام حتى اليوم من قبل الشيعة المسلمين في العراق ولبنان والبحرين إيران، أهمية خاصة لأنها تقترب من مسرح الفرجة والعرض الشعبي، و بالرغم من طابعها الديني إلا أن طبيعة العلاقة بين الجمهور والمؤدي تعتمد دائما على تغريب الحدث والشخصية، مع إمكانية تميزنا لملحمية الأحداث أيضا.

وتعتبر التعزية أحد اقدم المراثي الدرامية في العالم الإسلامي التي يمكن استخدام بعض تكنيكها الفني والملحمي في العرض المسرحي المعاصر. وتعرضت التعزية دائما للمنع من قبل السلطات لأسباب دينية وأخرى سياسية.((وقد نجد للتعزية معادلا في المسرح الأوربي وخاصة في المسرحيات الدينية المسماة ـ الرغبات الربانية ـ. وتقارن التعزية أحيانا بالتراجيديا اليونانية، أما البعض الآخر فيؤكد على تشابه نصوص التعزية مع بعض النصوص الدينية البابلية.)) [1]ويمكن مقارنتها بمسرحيات الأسرار الدينية  أو المسرحيات الأخلاقية التي كانت تعرف في أوربا في القرون الوسطى.

ويمكن دراسة التعزية في الوقت الحاضر على اعتبارها طقسا دراميا سواء من ناحية الطاقة التصويرية الكامنة في لغة الطقس، أو من ناحية درامية الاحداث و الحركة التعبيرية التي يفجرها قطاع كبير من الجمهور المشارك في هذه الطقوس والذي يتعدى دوره من المشاهدة إلى المشاركة الفعلية في هذه الشعائر وذلك للوصول إلى حالة التطهير من الذنب التاريخي لخذلانهم للإمام الشهيد الحسين بن علي(ع)  أبان ثورته.

والتعزية في بداية نشوئها كانت تقليدا حيا لمأساة الأمام الحسين وما تبعها من مآسي وحتى قتله والتمثيل بجثته  وسبي عائلته**. ولكن بمرور الزمن فان التعزية امتزجت بالحياة السياسية والاجتماعية حتى أن بطلها الحسين "ع" اصبح رمزا قوميا، فمن خلال إعادة عرض هذه المأ ساة كل عام كطقوس تقام في الأول من شهر محرم ولمدة عشرة أيام، تتحول ساحات المدينة إلى تجمع سكاني هائل لأجل المساهمة في هذه الشعائر الدينية ـ الدرامية، إذ تتضمن المسيرات والتظاهرات فصولا من المأساة تروى في كل يوم من الأيام العشرة أو تُمثل كطقوس تراجيدية  ذات طابع درامي  لمذبحة الامام وأنصاره.

وتعقد التعزية عادة في المساجد أو الساحات العامة(ويسبقها طواف في شوارع المدينة يزداد عدد المشتركين فيه يوم بعد يوم. ينشدون أناشيد النواح والحزن والرثاء، و يضربون صدورهم، و يجلد بعضهم بسلاسل الحديد. ومن بعد يؤمون المسجد للاستماع إلى التعزية.وفي اليوم العاشر يمثلون المعركة)[2]  

طقوس التعزية في العراق

تقام التعزية في العراق في جميع القرى والمدن وخاصة مدينة كر بلاء التي كانت ارض المأساة الحقيقية. ومن خلال مشاركتي ومشاهداتي العيانية سأقوم بوصف دقيق لما يحدث في هذه الأيام العشرة، محاولا التركيز على التكنيك المسرحي المستخدم في التعزية وعلى تقنية الطقس الديني ـ الدرامي الذي يسمى في العراق بالتشابيه Ä.

فقبل أن يبدأ اليوم الأول تتهيأ المدينة بكاملها لإعداد المسيرات والمواكب ويهيئ سكان المدينة الرايات والملابس السوداء التي سيرتدونها طوال شهر محرم، وكذلك الإكسسوارات والأدوات الأخرى التي ستستخدم في الاحتفالات، ويلف الحزن جميع مرافق المدينة الموشاة بالأسود والذي سيخلق جوا خاصا. وعادة تقام المسيرات والتظاهرات والمواكب أثناء الليل ماعدا اليوم الأخير والذي يقدم فيه عرض التعزية منذ الصباح الباكر.

إن الاحتفالات في هذه الأيام تنقسم إلى :

 1ـ المجالس الدينية.

 2 ـ المواكب والمسيرات.

 3 ـ الطقس الدرامي.(التشابيه)

 

1 ـ المجالس الدينية.

وتقام في قاعات كبيرة خاصة أعدت لهذا الغرض وتدعى الحسينيات(نسبة الى بطل المأساة الحسين) أو في الجوامع أو الساحات العامة، حيث يجلس الجمهور على الأرض للاستماع إلى الراوي الذي يدعى "الروزخون " او " الحكواتي ". ويكون رجل دين عادة، مهمته سرد أحداث المعركة ومقتل بطلها ومناصريه وعائلته.ويبدأ روايته بغناء كتمهيد للحدث الرئيسي الذي سيشمل رواية بعض الأحداث التي لها علاقة بالحسين وعائلته، ويكون هذا الغناء حزينا وانفراديا.ومن ثم يروي فضائل ومميزات هذا البطل أو ذاك.

ويكون أداء الراوي او القارئ(المحدث)(وهو عادة رجل دين )مقسما بين الحداء والحديث المباشر حيث يحاول ربط الأحداث والرواية التاريخية بالأحداث المعاصرة. وتتميز هذه المجالس بكونها دينية وتعليمية في ذات الوقت وهؤلاء الرواة يمتلكون ثقافة دينية واطلاع على المشاكل المعاصرة ولهم اساليبهم الخاصة في توصيل اهدافهم الدينية والتربوية.وكذلك الأساليب الأخرى التي تثير الجمهور المهيأ أساسا للاندماج في الحدث المروي ومشاركة الراوي باللطم على الصدور والبكاء والأنين من اجل التطهير الذاتي.

 وفي الختام يدعوا الراوي(القارئ) الجمهور لمشاركته، فيتحول إلى كورس لترديد الفقرات المهمة التي يحاول الراوي ـ الذي يتحول الى رئيس الكورس ـ التركيز عليها والتي تدعوا إلى فعل الخير في الحياة والدعوات إلى الله في إنزال القصاص بالظالمين.

2ـ المواكب والمسيرات.

تكون هذه المواكب كثيرة ومتعددة وتسمى بأسماء مناطق ومحلات المدينة، وتنطلق في وقت محدد من الليل وتجول في طرقات المدينة، متجهة صوب المسجد الرئيسي لتلتقي جميعها هناك. وينقسم المشاركون إلى كورس اللطم، وكورس آخر لضرب الجسد بسلاسل من حديد، تصاحبهم الموسيقى العنيفة التي تعتمد على الطبل والصنج والآلات الهوائية، و تعتبر هذه الإيقاعات أيقاعات موسيقة خاصة تميز جو هذه المواكب بل التعازي بمجملها وهذا مما يجعلها متفردة.

وعادة فان(الرادود) أي الراوي هو الذي يقود الموكب و يوّقع روايته بحداء حزين. يختلف إيقاعه حسب القصيدة التي يلقيها ومضمونها وأحداثها ويومها وطبيعة وقدسية البطل الشهيد الذي تتحدث عنه.

ويكون الأداء على الشكل التالي :

يردد الراوي(الرادود)  مقطعا شعريا له علاقة بالمأساة بغنائية فائقة، ويتم تدريب الجمهور على حفظ الأغاني في ذات الوقت، فيتحول المشاركون إلى كورس للراوي، يغنون ويشاركون باللطم على صدورهم العارية بإيقاع خاص يتناسب مع اللحن.

إن الراوي يحفز المشاركين ويثيرهم عاطفيا وحماسة من اجل الاندماج في الحدث، ولا يكون أداء هؤلاء على وتيرة واحدة وانما يختلف باختلاف المقطع الشعري، ويركز(الرادود) الراوي في أداءه على المقطع الحواري أو الغنائي الذي يريد أن يوصله، وكثيرا ما يتغير الإيقاع واللحن. وتستعرض هذه الأغاني والقصائد حياة وبطولة ومقتل بعض شخصيات المأساة.

وتصاحب المواكب، الرايات الملونة الكبيرة والهوادج المضاءة بالمشاعل أو المصابيح، مما يؤدي لخلق جو طقوسي مثير. وتسير هذه المواكب وسط الجموع الغفيرة من النساء والرجال الذين يشاركون بالغناء والترديد الجماعي أيضا كخلفية للراوي والكورس المشارك. وكل هذا يذكرنا بوظيفة الكورس في الشعائر اليونانية قبل نشوء التراجيديا.

إن الذكرى الخاصة  بالشاب " القاسم " ابن أخ الامام الذي كان خطيبا لابنته و قتل بشكل بشع في ليلة عرسه، مكانة خاصة وتأثيرا كبير على عواطف الجمهور، ولهذا فانهم يعمدون إلى تمثيل " عرس القاسم "*  حيث يسير كورس الرجال حفاة بملابسهم البيضاء يتوسطهم شاب بملابس العرس، والجميع يمسك الشموع وأغصان الآس، ويلطم الصدور على إيقاع الردات الدينية الحزينة المناسبة مما يضفي على مشهد الزواج المأساوي رهبة وجلالا. وفي شارع اخر من المدينة هنالك موكب الضرب بالزنجيل الذي يتغير ايقاعه في هذه الليلة للمساهمة بجلال المصاب. وفي احد البيوت يمارس كورس من النساء طقوس هذه المناسبة واعادة تشبيه او تمثيل الواقعة الماساوية للعريس. الطقس يبدا من الشارع المضاء بالشموع، وورائحة البخور، فالكورس النسائي يلتف حول جمل او مهرة مزينة بالألوان، تحمل هودجا في داخله العروس بملابس العرس البيضاء ليزففنها بالدفوف والأغاني ويدخلنها إلى بيت (العرس) المهيأ مسبقا ويجلسنها في مكان مرتفع ويبدأن بالطقوس الخاصة التي تتميز بالرقص والأغاني واستخدام أدوات الأفراح الخاصة بمثل هذه المناسبات، ولابد أن توجد صينية كبير ة مملوءة بالشموع المضاءة والحناء والحلويات والتمر والآس(رمزا للخصب وهي شعيرة قديمة تمتد بالتاكيد الى نواحات عشتار البابلية على حبيبها تموز ) وتدعى صينية عروس القاسم، والجميع ينتظر وصول العريس بكل خشوع ممزوج بين الفرح بالعريس والحزن المتات نتيجة لمعرفة المشاركات بموته مسبقا.

 لكن بدل من هذا فان مجموعة من الشباب تجلب جثة العريس مخضبا بالدماء، ينقلب العرس الى مأتم  فيغطى كورس النساء  العروس برداء اسود(دلالة الحزن). ويبدأن بالندب على ايقاع الدفوف، ويردحن بايقاع الحزن، رقصة الوداع، وهن يقفزن في الهواء منثورات الشعور، يمتزج الرقص بالندب ونواح الجسد وتوهجه الصوفي، ليتحول كل شئ فيهن الى ذاكرة جسدية تساعدهن على استحضار ماوراء الطاقة الجسدية التعبيرية والايحائية. ومما يضفي على التوهج الجسدي غرابة هو ان النادبات لطخن رؤوسهن ووجوههن بالطين الذي يشكل قناعا غريبا على ضوء الشموع، والمشاركات في الطقس يردحن ويردحن ويردحن بكل قواهن لدرجة يخرجن من حالة الواقع الى الوجد والتطهير، فتشيع في الجو رائحة غريبة لبخور خاص ويثير الحزن على بطل شهيد وكل هذا  ممزوج برائحة الاجساد المنهكة المنفعلة من الواقع والزمن لكنها مباركة وسابحة من الراس الى القدمين بعرق الوجد الذي يجعلهن كحوريات جئن ليباركن العريس الميت ـ الحي، المقتول ـ الشهيد والغائب(وكم من الامهات العراقيات ينتظرن الغائب الذي خرج دون وداع ومازال غائب، فتمتلك الاجساد المنفلتة حريتها التي كانت مكبوتة لسنوات تحت عنف وغلظة الرجل المعاصر والمهيمن على كل شئ  فتصبحن خارج فضاء القهر والانزواء البيتي. وفي الفجر يجرجرن أجسادهن المشتعلة بالتوهج وهن مرعوبات و مذهولات من فيض الوجد والتطهير المبارك ومن تنفيس الضيم الذي حملنه طوال عام، ومن هذه اللحظة حتى العام القادم عليهن أن يتحملن كل أنواع القهر، كنساء يعد البيت لهن سجنا أبديا، لذلك عليهن أن ينتظرن ليلة الاشتعال والتوهج هذه مرة أخرى، لكن ومن أجل التنفيس ومواساة عذاباتهن عليهن ألان وبصوتهن المبحوح أن يباركن العريس المقتول والجثة المرموز لها بشئ ما وكذلك الفجر الفضي الجديد الذي بد أ يضئ البرزخ فيجعل اجسادهن شفيفة كالندى وهن يهمسن:

           

اوه ياقاسم يابني / ديوان عرسك مبني/ مبني بجص ونوره، / أجت العروس تزوره/ اوه ياقاسم يابني./ صعدنا جبال وجبال / وجبنا دم الاطفال / صعدنا طعوس وطعوس/ وجبنا دمه بالطوس، / اوه ياقاسم يابني./ ثوب العرس أصبح كَفَن / ثوب العرس أصبح كَفَن. / ديوان عرسك مبني/ ديوان عرسك مبني/ ديوان عرسك مبني..

الشيء المهم في هذه الطقوس هي المشاركة الجماعية لجميع السكان بالرغم من هدفها الديني، حيث تتحول المدينة إلى احتفالات ومواكب ومجالس وغيرها من الفعاليات التي تتسم بدراميتها، فيعم الحزن والندب الجماعي.

 وبالرغم من طابعها التاريخي والديني إلا إن أهدافها ا لمعاصرة مرتبطة بالواقع، وان بطلها اصبح رمزا ثوريا ينعكس رفضه للظلم التاريخي على الحاضر، فالكثير من هذه الطقوس والأغاني لها أبعادا وأهدافا سياسية تدعوا الإنسان للثورة على واقع الاستغلال الذي يعاني منه. ومن الناحية الفنية فان للجو الدرامي المصاحب بالموسيقى العنيفة والإيقاع المتميز، أهمية خاصة لإثارة مشاعر الإنسان المشارك أو المشاهد.

وفي الليلة الأخيرة التي تسبق موت بطل المأساة في اليوم العاشر، تكون الاحتفالات اكثر حدة وعنفا سواء في الأغاني والقصائد أو الموسيقى وإيقاع الحركة والمشاركة الوجدانية من قبل الجمهور، وفي هذه الليلة بالذات يضاف إلى الاحتفالات موكب كبير من الرجال والشباب يدعى "بموكب التطبير " وقد ارتدى الرجال الملابس البيضاء التي ترمز للكفن لإ ستعدادهم للموت، لان أجدادهم تاريخيا خذلوا بطلهم(رمزهم الديني) في محنته أو أن حياتهم بعده لا تعني شيئا.

ولهذا فانهم يحملون بأيديهم سيوفا حقيقية سيضربون بها على رؤوسهم المحلوقة في اليوم التالي، وبعد أن تنتهي ا لتعزية في منتصف هذه الليلة فانهم سيذهبون ليستحموا في حمام المدينة العام استعدادا لممارسة هذا الطقس.

 يبقى سكان المدينة مستيقظين حتى الصباح  وتصبح البيوت أماكن لتجمعات النساء حيث تقوم "المرأة الراوية " او(العدادة) او(الملة) برواية أجزاء من المأساة ومن ثم يبدأن بالرقص الإيقاعي الحزين والحداء والمراثي والتراتيل الدينية وهن مسدلات الشعور يلطمن صدورهن العارية و يمثلن مشهد موت الامام الحسن "ع"(الأخ الأكبر للحسين)الذي دس له السم، و غيرها من الأحداث التراجيدية الحقيقية. وهدف هذه التجمعات النسائية هو المشاركة الوجدانية للسيدة زينب أخت الامام الحسين. وفي اليوم التالي(اليوم العاشر) صباحا يتجمع سكان المدينة في الساحة العامة وهم بملابسهم السوداء والطين على وجوههم ورؤوسهم لمشاهدة الطقس الدرامي ـ التراجيدي والمشاركة فيه.(دلالة الحزن والمشاركة الوجدانية، وهذه المشاركة كان العراقي القديم يمارسها حزنا على الاله تموز)

 

الطقس الدرامي : التشابيه

تبدأ التشابيه (الطقس الدرامي) بقافلة الحسين وعائلته ومعها الجمهور الذي سيشاهد هذا الطقس وهم يتجهون الى المكان الذي سيقام فيه " التشبيه " للتعبير عن مسيرة الحسين من المدينة الى كربلاء ".عندها يقف الجمهور على جانبي مكان التمثيل على شكل مستطيل او دائرة وفي الوسط يقام الطقس الدرامي بدون الاعتماد على خشبة مسرح كما في التعزية

 الفارسية. وينقسم الممثلون(او المشاركون) الى مجموعتين، جيش الحسين قرب خيامهم التي تميزها الرايات الخضراء والسوداء وفي الجانب الاخر جيش الخليفة الاموي براياتهم الحمراء ورايات اخرى مختلفة.

وتبدأ المبارزات الفردية على الخيول الحقيقية و الخطب الحماسية بين الممثلين فيؤكد كل واحد منهم على عدالة القضية التي يدافع عنها والتي سيموت من أجلها ويبدا ديالوك حواري بين احد الممثلين وممثل من الفريق الاخر، وكل منهم يذكر صفات الشخصية التي يمثلها ويعدد فضائلها التاريخية، . وكثيرا ماتنقطع هذه الحوارات بمقاطع غنائية من الممثل(الرجل) الذي يمثل دور السيدة زينب(اخت الحسين) والتي تؤدي دور رئيسة كورس النساء(عائلة الحسين) في ذات الوقت. وهذا الممثل يدور على الجمهور بصوته الشجي من اجل تحفيزه ودفعه للمشاركة الوجدانية.ودائما ُيكمل الحدث اواداء الممثل الرئيسي غنائيا وحداءا(وهذه ميزة مهمة في التعازي).

ان كورس النساء المتلفعات بثياب سوداء و اللواتي يقفن امام الخيمة ويحملن مناديل بيضاء او سوداء يشكلن كورس النائحات في الطقس، (وعندما يبرز جنود الحسين يستقبلنهم باغنية تعدد صفات كل واحد منهم، اما جنود الخليفة الاموي فيستقبلنهم بالصمت.ويندبن وهن يقرعن الصدور بالايدي او يجلسن ويلطمن الركب في حركات موقعة، وحين ينتهين من الغناء يشرعن بالعويل، ملوحات بالمناديل  "للتحية والوداع في ذات الوقت، وهذا استباق للتنبؤ بموت البطل المأساوي "إذ قد حان موعد خروج الحسين للحرب ثم يخيم الصمت.ويبدأ مايصح ان نسميه العنصر التمثيلي الدرامي فهناك ممثل لدور الحسين وممثلون للآدوار الرئيسة الاخرى وهنالك حوار يتبادله الممثلون وهنالك مراحل لتدرج الحدث)[3]

ويمكن أن نلاحظ وجود تطورا في داخل الشخصيات ذاتها كتحول أحد قواد الجيش الأموي بعد قلق وتردد، إلى جانب الحسين ليحارب معه ويموت.وهنالك بعض المشاهد المؤثرة كأن يمسك ممثل دور الامام الحسين طفلا ويخبرهم بأنه يموت عطشا، ويطلب منهم الماء(لان الجيش الأموي قطع الطريق إلى النهر أمام أنصار الحسين)، وبدلا من هذا فانهم يصوبون سهامهم ورماحهم لقتل الطفل، فتصبغ رقبته باللون الأحمر دلالة على قتله. وبالتأكيد فان هذا يدعونا إلى التفكير بالبعد الشرطي للحدث والأدوات والإكسسوارات والاشياء المستخدمة في الطقس.

وعند موت جميع جنود الحسين يودع عائلته و يحارب وحيدا حتى يقتل، ومن ثم يبدأ الجيش بحرق خيمة الحسين. وتعلق رأسه ورؤوس جنوده على الرماح ويأخذون عائلته للأسر، فتسيطر الهستيريا على الجمهور الذي يبدأ مسيرة كبيرة مع الممثلين تتجه نحو المسجد الرئيسي واحيانا يحرقون خيم الجيش الاموي دلالة على الغضب والتضامن مع الامام.

وخلال هذا يظهر "موكب رجال التطبير" باكفانهم البيضاء، وعلى ايقاع هتافاتهم وإ يقاع الطبول والموسيقى العنيفة يضربون رؤوسهم بالسيوف بشكل خفيف في بادئ الامر، الا ان الموقف يتسارع فيصبح الايقاع اكثر حدة(وتتسارع حركاتهم ويعلوا صراخهم ويمسكون السيف باليدين وتشتد ضرباتهم به وحين يدنوا الموكب من المسجد تكون الاكفان والوجوه قد تلطخت بالدم.) [4] وينتهي الطقس الدرامي التشابيه  بالدعوات الهستيرية الغاضبة ضد الطغيان والشر في الحياة.

التغريب(Vrefremdung) والبعد الشرطي في طقوس التعزية الحسينية

من خلال مشاهداتي العيانية وكذلك دراستي للطقوس عموما وخاصة التعازي اكتشفت ميزة فريدة بالرغم من بدائيتها الا انها تشكل بذرة خاصة بالتشابيه وهي العلاقة بين التعازي والتغريب في المسرح الملحمي البرختي، وبالتاكيد فان هذا الربط او التفسير لم يطرح سابقا في الدراسات التي تناولت التعازي على قلتها سواء كانت المحلية منها ام الاستشراقية.

يمكن القول بان تقاليد التعزية في عاشوراء وبالذات التشابيه تشترك مع المسرح الملحمي بالكثير من المميزات والوسائل والخواص حتى وان كانت بمفهومها البدائي، لان الممثلين في طقس التعزية الدرامي(التشابيه) يقومون بتغريب بدائي للحدث والشخصية، فنري الممثل S(انا الممثل)  يتعامل مع الشخصية R (هو الشخصية ) بمفهوم الشخص الثالث أي " هو ".

 

                      S                    R

                 "هو" الشخصية           " أنا" الممثل   

 

فالممثلون يعرفون تفاصيل الحادثة التاريخية ولهذا فانهم يعون مهمة إعادة خلق الطقس من جديد ولايندمجون في الحدث والشخصية وانما يرونه ويكملونه اثناء اعادة تمثيل الطقس، وبالرغم من وجود مشاهد تفترض الاندماج في الشخصية كنتيجة طبيعية للمسرحيات الدينية، إلا انهم يعرضونها وخاصة الممثلين الذين يؤدون شخصية من الاعداء، ولهذا فانهم يؤكدون في حوارهم على قال فلان(أي الشخصية ). . وعمل فلان أي اعتماد لغة الشخص الثالث.

 او ان الممثلS  يذكر الشخصية R ومن ثم يلعنها(اذا كانت من الاعداء) ويبدأ تمثيل دوره. وبهذا فان الممثل يضع مسافة بينه وبين الشخصية لانه لايريد ان يتطابق او يندمج بشخصية غير مقدسة ومرفوضة اجتماعيا وتاريخيا، ومن جانيب آخر فان الجمهور يضع ايضا مسافة بينه وبين الشخصية لذات الاسباب السابقة.

 

                 R                   S                                             

                 الشخصية                الممثل

 

و بالرغم من ان الممثلين هواة(باعتبارهم من اهالي المدينة يوافقون على المساهمة بطقس ديني) الا اننا يمكن ان نكتشف حالة من "التغريب البدائي "في أداءهم، فالممثل (وخاصة رئيسة الكورس او الشخصية الرئيسية) يعلق على الحدث او يدعوا الجمهور الى المشاركة الوجدانية عندما يموت احد الابطال " إيمائيا"، او ينبههم حوارا او غناءا الى بشاعة الجريمة او الحدث، وبالرغم من ان تمثيل دور السيدة زينب من قبل ممثل رجل، تفرضه ظروف اجتماعية الا انه يؤكد ميزة مؤثر التغريب  البدائي ايضا في الطقس.

اما الجمهور فانه يعرف الحدث والرموز والقصة ونهايتها المأساوية ويحفظ الخطب والحوارات والشعر والمراثي، ويعي جيدا بان الذي يراه هو اعادة تمثيل وتشبيه الحدث التاريخي.وان التركيز على العنف والقساوة وبشاعة الاحداث و دمويتها والتي يندهش لها ويرفضها متفرج الطقس المعاصر، فأنها تؤدي الى حالة من التطهير من بشاعة الجريمة التاريخية، لكنه يربطها بظروف واقعه المعاصر. ولهذا فا ن المسيرة التي يقوم بها المتفرجون بعد انتهاء الطقس الدرامي "التشابيه " تتحول الى تظاهرة سياسية ضد الواقع الذي يعيشونه.

وبالرغم من دوافعها الدينية الا انها تحفز الانسان على التفكير بواقعه وهذا مايؤكد ه برتولد برشت   عندما يتحدث عن التغريب بمفهوم التأرخة (أي تصوير الحوادث والاشخاص كحالة تاريخية تخص الماضي. والشئ ذاته يمكن ان يحصل مع الناس المعاصرين، اذ يمكن تصوير مواقفهم على، اساس من ارتباطها بالزمان، وكونها تاريخية وتخص الماضي. وان المتفرج المعاصر لن يعود يرى الناس ثابتين، انما يرى : هذا الانسان على هذه الشاكلة لان هذه الظروف على هذه الشاكلة. وان هذه الظروف على هذه الشاكلة لان الانسان على هذه الشاكلة، وان الانسان ليس فقط قابلا للتصور، كما هو، انما بشكل آخر ايضا، مثلما يمكنه ان يصير، كذلك يمكن للظروف ان تكون قابلة للتصور بشكل مختلف عما هي عليه.)[5]

 

وهذا في الحقيقة يفسر لنا المساهمة الكبيرة للجماهير ليس فقط بدوافع دينية او طائفية وانما  بسب ايضا ذلك الشعور بالاحباط وبالتخلي التاريخي عن مناصرة موقف الحق، وكذلك الشعور بان هذه الماساة حدثت نتيجة للظروف التي جعلت المناصرين للحق يتحولون الى ضده. ولهذا فان المتفرج المعاصر في التعزية يندهش للحدث التاريخي الذي يراه امامه ان يكون قد حدث على هذه الشاكلة وكان المفروض من وجهة نظره المعاصرة ان يحدث بطريقة اخرى، وكذلك فانه يرفض الشخصية والممثل في آن واحد لاسباب في ضاهرها دينية. انه يندهش ويرفض هذا الممثل الذي يمثل ويتشبه بشخصية عدو غير مقد س، ويرفض الشخصية التاريخية أيضا في انها وقفت ومارست موقفها التارخي ضد بطله المقدس. فيضع مسافة بينه وبين الشخصية التاريخية وخاصة اذا كانت من اعداء بطله المقدس، ومن جانب اخر فانه يندهش و لا يصدق بان هذا الممثل يمكن ان يتشبه ويمثل الشخصية المقدسة.لانه يؤمن بعدم وجود انسان يشبه بطله المقدس بالرغم ان تمثيل شخصية الحسين تحتم ان يؤديها رجل دين تقي مشهود بنزاهته.

          اذن فجمهور التعزية P  يتغرب واقعيا عن الممثل   S وكذلك عن الشخصية  "R".

 

          R                    S          

 

 

 

 

                                      P

                                    

       الجمهور                                     

      يغّرب الشخصية والممثل في ذات الوقت

 

ويتحاشى الممثلون تمثيل قتل الامام الحسين في التعزية لمكانته المقدسة ولانه حي دائما في وجدانهم، ولهذا فان الردات المغناة في مختلف مراحل الطقس تستبدل كلمة "موت " بكلمة" نوم " كما هو الحال في الردة المرثية التالية التي تروي استشهاد الامام الحسين :

                      ويلاه أبو علي ويلاه

                      نايم بالشمس ويلاه/ روحه تحتمس ويلاه/ يااهل الكوفة ويلاه/ حنّو كفوفه ويلاه/ صيحو عمته ويلاه/ تبني كلته ويلاه /بهذي الساحة ويلاه / بيها الراحة ويلاه./ ويلاه أبو علي ويلاه.

ومن هذا نفهم بانها لاتدعوه بالمقتول وانما بالعريس الذي سيبنى له "بيت العرس".

 

ضمن هذا المفهوم فانهم يرمزون لقتل الامام البطل بشاعرية مرموزة وذلك بخروج جواد ابيض مزين بألوان مختلفة وفوق ظهره ما يرمز لعمامة الحسين وسيفه ويدورون به أمام جمهور الندب ويحدث نوع من الشعائر البدائية تؤكد ايمان الجمهورP المطلق بالرمز الذي يستبدل البطل المقدس "بشئ منه " T مرموز له، يفترضه الممثل والجمهور، فالكثير من النساء خاصة، يبدأن المرور من تحت الجواد(الرمز) وهن يطلبن من الله والإمام الشهيد أن يحقق امنياتهن(ونذورهن)، فالايمان المطلق يخلق قدسية للرمز ـ البطل، فيحدث التماهي وما يسمى في المسرح بالاندماج في الدور والشخصية أي تمثيل الجمهور المعاصر لدوره كجمهور مشارك أمام طقس ديني ـ تراجيدي..

إن استخدام هذا الرمز(الشئ أي حاجيات واشياء البطل المقدس ) التي رمزنا لها بحرفT يحول الممثل S من " أنا الشخصية " R S، الى "هو الشخصية "(الشئ) TR، اضافة الى ان هذا الرمز(الحصان والعمامة والسيف وغيرها) يمنح بعدا تعبيريا وتاويلا خاصا، يفرض لغة شرطية ذات دلالة سيمولوجية تساعد على تطور عمل الممثل التعبيري والعرض المسرحي المعاصر.

             S                S R            TR

          (هو)الشخصية       (أنا) الشخصية      (أنا)الممثل 

 

ويمكننا ان نستنتج بان التكنيك المسرحي لعرض" التشابيه " يعتبر تكنيكا لطقس درامي و تراجيدي ديني وشعبي، يعتمد الخطب والشعر والردات والغناء والمراثي والنواح والايقاعات وغيرها. وفي هذا الطقس يتم التمييز بشكل واضح ومبالغ فيه احيانا بين انصار الحسين(الذين يكونون محترمون اجتماعيا في المدينة) واعدائه(الذين تعطى ادوارهم الى فئات اخرى اقل احتراما ويساعد المكياج والملابس والادوات المستخدمة الاخرى على ابراز هم كمهرجين يثيرون الضحك والسخرية في مواقف معينة.أما التمثيل فيعتمد على الحركة الواقعية العامة والتراتيل والمراثي والنواحات، مما يخلق ميزانتسينا حركيا ـ مسرحيا خاصا يميز طقس التعزية بالذات. ويتم التركيز عادة على بطولة أنصار الحسين وجبن وخوف اعدائه.

في طقس التعزية لايستخدم ديكورا او ادوات متكاملة وانما يعمدون الى الديكور الشرطي بالمفهوم ذاته في العرض المعاصر، ويشمل الاسلوب الشرطي ايضا الاداء والحركة وتنظيم وسائل الطقس الاخرى، أي انهم يعرضون جوهر الحدث والديكور ودلالته الرمزية، (والديكورات هنا جذابة، وهي نصف واقعية ونصف رمزيه غالبا، فالدماء التي تراق مثلا، حقيقية، بينما الرمال يرمز لها بالقش المنثور. واكثر من ذلك فاننا نجد بان المؤثرات المسرحية منفذة بعناية فائقة، فمثلا، رأس الحسين الملطخة بالدماء، تنبعث منها الاشعار المقدسة، كما اننا نرى احد الفرسان يقتل خصمه بسيف يقبض عليه باسنانه، ويؤدي الرجال، أدوار النساء والحيوانات البرية)[6]

ويرمزون الى نهر الفرات الذي يسيطر عليه جيش الخليفة، باناء مملوء بالماء او انهم يستخدمون نهرا حقيقيا ان وجد قرب مكان تمثيل الطقس..  ويحملون " قِـرب " خالية من الماء للدلالة على العطش، وكذلك يستخدمون نخلة واحدة للدلالة على غابة من النخيل، وعدد قليل من الممثلين المدججين بالسيوف والرماح للتعبير عن جيش كامل.

وهذا الايحاء يعتمد بالدرجة الاولى على قدرة المؤدي على استيعاب واستخدام الرمز، وعلى الجمهور الذي يتلقى الايحاء بشكل منطقي ويكمله ذهنيا ويربط الاحداث والرموز، فالجمهور مرتبط بالحدث روحيا وتاريخيا. وهذا مايجب ان تكون عليه العلاقة بين الجمهور المتفاعل والممثل.

ان مهمة الكورس(النادبات) في التعزية تذكرنا بمهمة الكورس الاغريقي الذي يناصر شخصية البطل او يقف ضده او يحّذر منه، او يكمل حوار الممثل بأغنية حزينة تشرح الوضعية التي وصل لها هذا البطل او ذاك سواء كان رمزا للخير او الشر. وهذا الرمز الذي يضفى على انصار الحسين او جيش الخليفة اصبح واضحا ومعروفا بالنسبة الى المؤدين(الممثلين) والجمهور.

 ويفرض الجوهر الديني والتراجيدي والدرامي للتشابيه، جوا خاصا بحيث يكون متميزا عن أي طقس اخر من خلال استخدام السيوف والرايات والالوان المميزة للطقس والموسيقى العنيفة والمشاهد الوحشية والحوار المكثف والديالوجات و الايقاع الصاخب والاغاني والادوات التي تعبر عن الطابع المميز لذلك العصر، فيكون الجو مشحونا بالقيم التعبيرية الدرامية والوسائل التي يمكن ان تنقل الطقس من جوه الديني الى جو الطقوس الدرامية.

وفي الختام يمكن أن نعتبر التعزية طقسا دراميا جماهيريا للمشاركة الوجدانية الجماعية، حيث يمتلك الجمهور الرغبة في المشاركة العفوية في الطقس.وان علاقة الممثل بالجمهور هي علاقة إيحائية شرطية تعتمد على الرمز، فيحتم على الجمهور المشاركة الذهنية.وهنالك نظرة احادية الجانب سواء بالنسبة الى الحدث او الشخصية فهي اما ان تكون شريرة او خيرة، وهذا متأت من تكامل الشخصية تاريخيا والتعامل معها بقد سية. وتنحصر مهمة الممثلين وسائر العاملين في الطقس على رواية الحدث التاريخي وابراز ملحميته. وان مساحة العرض الدائرية تحتم على الجمهور ان يحيط بمكان الاداء من جميع الجوانب.

 

 

وقد ارتبط طقس التعزية بالطموحات والافكار السياسية المعاصرة بحيث عكست المراثي والردات الحزينة والشعر المستخدم مشاكل الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع ومن خلالها يقوم الانسان بعملية تنفيس سياسية ضد الاستغلال وقد اتخذت طابعا تحريضا في العراق مثلا وخاصة في الظروف السياسية الصعبة. ففي مدينة العمارة الشيعية في جنوب العراق اثناء انقلاب البعث الدموي عام 1963، وبالرغم من إرهاب الحرس القومي أنذاك إلا أن الردات الحسينية في عاشوراء استغلت لتعكس معانات  الناس وكانت واضحة بكونها ضد الانقلابيين، مما دفع باحد أعضاء الحرس لعدم تحمله سماع هذه الردات، فيخرج مسدسه ويطلق عيارات نارية وكادت هذه النزوة أن تتطور الى مجزرة  وبالرغم من هذا إستمر صوت جوهري يحرض ومعه كورس التعزية :

ودّور الاقدار / ويصبح الجزار / جزارك المجرم / سكينته إلي بيده/ تصبح على وريده / من علي وماضيه / ودّور الاقدار

و يستوجب الحداء والطبول والموسيقى الصاخبة في طقس التعازي ايقاعا عنيفا إضافة الى الرقص والملابس والادوات والالوان  والوسائل الاخرى التي تعتبر خاصة بهذا الطقس تميزه عن أي طقس آخر.

ويمكن ان تمنح هذه المميزات التي يتميز بها طقس التعزية والتشابيه، العرض المسرحي المعاصر الكثير من الامكانيات والوسائل والاساليب التي تجعل منه عرضا شعبيا يعالج اعقد الاحداث والظاهرات التي تؤرق انساننا المعاصر. فيمكن استخدام الجو(الذي يميز هذا الطقس) بكل إيحاءاته الفنيةـ الرمزية ووسائله التعبيرية الاخرى لتجعل من العرض المعاصر اكثر درامية وشعبية وكذلك فان المشاركة الجماعية بين الجمهور والممثلين، والتي تمنح العرض المسرحي حيوية متميزة، يمكن ان نجدها بشكلها الفعال في طقس التعزية.

ويمكن الوصول الى هذه المشاركة الفعالة من خلال طرح ومعالجة تلك الموضوعة التي تهم انساننا المعاصر، وكل هذا سيساعد على خلق العرض الدرامي الشعبي في المسرح المعاصر. واذا كانت التعزية طقسا دراميا شعبيا باهداف دينية فانها تمتلك العوامل التي تمهد للعرض الشعبي بعد معاينتها برؤية معاصرة. ويمكن للمسرح المعاصر استغلال الكثير من إمكانياتها وجوهرها ووسائلها وقدراتها التعبيرية وجّوها المتفرد.  

ولكن بالضرورة يجب ان نفرق بين طبيعة الجمهور الذي يتفاعل مع الطقس الديني وبين جمهور الطقس الدرامي المسرحي، وهذا الاختلاف يكمن في اساس موضوعة العرض وهدفه وتأثيره، فالتعزية ستضل طقسا دينيا اذا لم تتحرر من أهدافها الدينية والروحانية والتي هي في الاساس هدف مهم في الطقس.

فاذا كان هدف المسرح الديني هو كل اتصال عاطفي وروحي يربط الناس بعضهم ببعض ليشتركوا ضمنيا في فكرة تنتمي الى المطلق كما يؤكد د. لطفي فام [7]، فان المسرح المعاصر يخلق أيضا ذلك الاتصال العاطفي والروحي الواعي ويجمع الناس ليشتركوا في فكرة واحدة لاتنتمي بالضرورة الى المطلق والضبابي بل تدعوهم الى فهم روح العصر وأهم مشاكله التي يعاني منها عالمنا وطرحها بشكل يؤدي الى ابراز تناقضات الضاهرة الاجتماعية، وابراز ديالكتيك الصراع لقوى الطبيعة والمجتمع ليكتشف الجمهور تناقضات عالمه ومجتمعه والظواهر الخفية في حياته، فالمسرح الطليعي المعاصر ايضا هو الذي يساهم في ان يجعل عالمنا اكثر احتمالا واقل عنفا وقساوة.

وبالتأكيد فان هذا يدفع الجمهور إلى إغناء وعيه بالفهم الصائب لتحليل الواقع الاجتماعي وربطه بالتطور التاريخي ويؤدي بالإنسان إلى التمسك بحريته واستقلاليته الفكرية، وهذا هو الهدف الاساسي من استخدام التعازي و كيفية تاثيرها على حياتنا المعاصرة المليئة بالقلق والتطور التكنولوجي الهائل.

 



[1] ارا الكسندروفنا بوتيتسيفا. ألف عام وعام على المسرح العربي. دار الفارابي. بيروت. 1981                          

. M.Bachetarzi. Memoires 1919- 1939 suivies de l´etude sur Le theatre dans les pays islamiques. Alger، 1968

** و حدث هذا بعد ان فرضت عليه المذبحة في مدينة كربلاء ـ العراق، على اثر استدعاء الحسين بن علي بن ابي طالب ؛ ع؛ من قبل مناصريه من الشيعة "من المدينة ـ في السعودية الى الكوفة في العراق زمن الخلافة الاموية التي كانت عاصمتها دمشق "، من اجل استلام الخلافة من الخليفة الاموي، لايمان "الشيعة" با حقيتهم في الخلافة. فارسل الخليفة الاموي جيشا كبيرا مقابل

(200 شخص هم عائلة الحسين وانصاره ويقال 80 شخصا في روايات اخرى ) لارغام الحسين على التاييد والمبايعة، وعندما رفض   قتل هو وانصاره وجميع الرجال من مؤيديه، وارسلت رؤوسهم معلقة على الرماح مع من تبقى من النساء والاطفال الى الخليفة الاموي يزيد بن معاويه في دمشق. وكانت هذه الابادة لانسال نبي الاسلام على يد البيوتات الحاكمة الجديدة، احد الاسباب الرئيسة للشقاق السياسي والديني في المجتمع الاسلامي. 

[2] د. انطوان معلوف.المدخل الى المأساة، التراجيديا، والفلسفة المأساوية.المؤسسة الجامعية.بيروت. 1982.صفحة 39

 

Äـ ومصدر الكلمة هو تشبيه الشيئ وبمعنى اعادة تمثيله.

* يذكر M.Bachetarzi. مصدر سابق.بوجود نص باسم " زواج القاسم في كتاب : الفلسفات والأديان في آسيا الوسطى للمؤلف.   Gobineau

[3] ـ د. أنطوان معلوف. مصدر سابق.صفحة 40.

[4] ـ المصدر السابق. صفحة 43.

[5] برتولد برخت : مسرح التغيير..  اختيار ومراجعة، قيس الزبيدي..  دار ابن رشد.بيروت.1978.صفحه 192ـ193.

[6] Jacob M. Landau. مصدر سابق. صفحة 44.

[7] المسرح الفرنسي المعاصر. القاهرة. 1964 صفحة 80.

العودة للفهرس