(تراث شعبي)

المطبخ الكروكوكلي..  رمز الوحدة والتنوع في ثقافة المجتمع..

توفيق التونجي ـ altonchi@swipnet.se

المرحومة والدتي الحاجة مظلومة زند وهي تنظف الكاعوب

 

 

يعتبر(التراث المطبخي) من اهم واثبت عناصر التراث الشعبي لدى أي شعب. فمثلا يلاحظ، ان الجاليات الشامية في امريكا اللاتيينة، بعد اكثر من قرن على هجرتها الى تلك البقاع، قد تناست كل عناصر ثقافتها الاصلية، ويكاد ان يكون(المطبخ الشامي) هو كل ما تبقى من تراثها!

ان المطبخ العراقي، باعتراف الكثير من الاجانب، من اغنى المطابخ في العالم، من حيث تنوعه وفرادته. لأن هذا المطبخ، مثل كل الثقافة الشعبية العراقية(غناء وموسيقى وازياء ومعمار وحرفيات، الخ)، يجمع خزين وتراكم آلاف من السنين، حفظتها المرأة العراقية، رغم كل قرون الكوارث وحالات الخراب الروحي والثقافي التي اجتاحت الوطن. ثم ان هذا المطبخ، ايضا مثل كل الثقافة العراقية، يجمع ما بين نهرين او مصدرين اساسيين مختلفين الى حد بعيد: المصدر الآسيوي(الايراني التركستاني الهندي)..  ثم المصدر الشامي(العربي والبحر المتوسطي)..  وهذه الخصوصية التنوعية الثقافية والروحية العراقية اكثر ما تجلت في(المطبخ). لكن مشكلة المطبخ العراقي، مثل كل الثقافة الشعبية العراقية، لم يتم الاعتناء به ومعرفة كيفية تقديمه على المائدة، كما يفعل الشاميون مثلا. والسبب الاول لذلك، يعود الى عدم وجود ارستقراطية عراقية عريقية ومستمرة بسبب حالات القطيعة والخراب التي مر بها الوطن في القرون الاخيرة. بالاضافة الى الاحتقار الذي عانى منه المطبخ العراقي مثل كل الثقافة الشعبية، من قبل النخب الحداثية والدينية لاسباب معروفة.

      هنا حديث عن المطبخ الكركولي، الذي كباقي التراث الشعبي الكركوكلي، يعتبر خلاصة للمطبخ العراقي. والسبب كما هو معلوم، ان كركوك، هذه المدينة العراقية الاصيلة، قد جمعت في داخلها معظم فئات الامة العراقية، من تركمان واكراد وعرب وسريان وارمن ويزيدية، وغيرهم..  يبقى ان نشير الى ان كاتب هذا الموضوع، يعتبر مثل غالبية ابناء كركوك منحدر من مزيج عراقي اصيل، يجمع ما بين الكرد والتركمان والعرب. ونعتذر لكاتبنا عن حدوث خطأ في ذكر اسمه في العدد الماضي بمناسبة ذكرنا لدوره في ابداع كلمة كردية جديدة بترجمة تسمية(ميزوبوتاميا) الى(دوروبارستان)، فكان الخطأ باسمه(توفيق التوتنجي) والصحيح هو(توفيق التونجي).(ميزوبوتاميا)

 الحديث عن المطابخ والماكولات ذو شجون وخاصة لنا نحن معشر الرجال من العراقيين والشرقيين بصورة عامة. وليس من الغريب ان نلاحظ ان معظم مطابخ المطاعم العالم يديرها طباخون مهرة وقد كان للملوك طباخون يديرون شؤون مطابخهم الكبيرة وقد التقيت برجل كهل يدير مطعما صغيرا في حي "جانقاية" بشارع الشمس في انقرة في بداية السبعينات حينما كنت لا ازال مستمرا بدراستي الجامعية هناك. كان هذا الرجل الكهل وزوجتة يديران ذلك المطعم الصغير، فحدثني يوما عن ذكرياتية في بغداد وكيف انه كان قد طبخ في مطابخ العائلة المالكة العراقية رحمه الله عليهم جميعا. لم اعرف اي من ملوك العراق يعني، ولكن كل ما اتذكره عن هذا الرجل انه وهو يعيد تلكم الذكريات كان ينتابه نشوة وفرح كبيرين.

 


كنت في حديث ذو شجون مع الكاتب ابراهيم احمد عن هموم المهاجر العراقي في دول المنافي فذكرني في مجري الحديث عن المطبخ الكركوكي ومزاياه الخاصة في اعداد الاطعمة والمعجنات حيث اشتهرت السيدة الكركوكية في الوصفة الخاصة في اعدادها لاكلة "الباجة العراقية" والدولمة، وكيف يتم تتبيل الاكلتين بالسماق لاعطائها نكهة غريبة ولون متميزا. قد تكون سيدة البيت الكركوكية ليست وحيدة في اعدادها المتميز للاطعمة والاكلات ولكنها قد جمعت وصفات اطعمة فئات الوطن في ذاكرتها، فاجادت خير اجادة.

ان المطبخ قد يكون من الاماكن الاكثر تفضيلا لدي البشر. اتذكر والدتي رحمة الله عليها كانت تابى ان تجلس معنا حول المائدة مفضلة مراقبتنا وجلب المزيد من الطعام. وكان تلك المهمة النبيلة مفخرة لها ولا ترضى بسواها حتى بعد ان كبرنا وشد عودنا. بقت تلك السيدة الجليلة على عادتها رغم ان عدد الجالسين حول المائدة ازدادوا مع احفادها الصغار. لا ريب ان تلك السيدة التي جمعت ثقافة والدتها العربية وابيها الكردي في مجتمع تعددي ثقافي واثتي انعكس على مجمل العلاقات العائلية في بيت كنا نتكلم فيه التركمانية والكردية والعربية، ولا زلنا حتى الآن. ان مجرد الحديث عن الام سيدة قلوبنا وحاملة همومنا والصابرة على عوادي الزمن حديث ذو شجون يوقظ في النفس ذكريات لحوادث مر عليها الزمان دون ان يوثقها. ان كتابتي هذه تعود بذاكرتي الى اكثر من ثلاثة عقود حيث تركت المدينة اوسط عام 1968. ولا ريب ان المدن تنمو والحوار الحضاري بين ابنائها يتعمق وقد تكون هنك صورة اخرى اليوم غير تلك التي اوصفها هنا.


قلعة كركوك من اعمال الفنان رؤوف حلبجي

 

                                   

 في كركوك نادرا ما تجد السمك في المطابخ، حيث يؤكل في المناسبات. ولم اجد تقليد لاكل السمك رغم كثرة الانهار، كم وجدته مثلا في ابلة العراق حيث يؤكل في البصرة او حتى في بغداد حيث شارع ابى نواس. فهذا الشارع الممتد على طول ساحل دجلة الخالد يحفل بمطاعم السمك "المسكوف".

الاكل في مطاعم المدينة

 ان المطاعم يديرها الطباخون فمن النادر ان تجد في كركوك مطعما تديره احدى السيدات كما هنا في اوربا مثلا وتلك سمة لمجمل مطاعم العراق. اما الاكلات المقدمة في تلك المطاعم فتكون بصورة عامة من النواشف والكباب والكص والدجاج والسلطات بانواعها والطرشي وتقدم النوادي المهنية والثقافية تقريبا نفس النوعية من الاطباق ونادرا ما نجد مطعما يقدم لزبائنه اكلات من النوع الذي كان يقدمة مطعم ابن سمينة وابنائه من بعده في بغداد او مطاعم كربلاء من تشريب وفصوليا وشجر وبيدنجان والحوم المطبوخة. اما مطاعم النواشف في كركوك فقد كانت كثيرة اذكر منها سندويش " نوزاد "وحلويات " حسن نجم" حيث كانا يقدمان السلطات واكلات البسيطة والحلويات. مع افتتاح " نوزاد اوجي" واخوانه لسينما صلاح الدين في شارع الجمهورية في بداية الستينيات بدا حركة تجارية كبيرة في هذا الشارع بعد ان كان شارع اطلس وشارع الاوقاف والمجيدية بسوقها العصري مراكز تجارية. بدأت بالظهور مقاهي عصرية كتلك المسماة مقهى "النصر" حيث كان يقدم الشاي بالحليب والببسي كولا بخمسين فلسا وكان ذلك يعتبرسعرا مرتفعا(غالي) في تلك الايام بالمقارنه مع مقاهي الشعبية كالمجيدية واحمد اغا جايخاناسي و(جوت قهوة) ذو الشهرة الواسعة كملتقى للمثقفين والشعراء في كركوك. كما تدل تسمية المقهى من التركمانية انها كانت مؤلفة من الجمع بين قهوتيين متلاصقتين وتحويلها الى مقهى واحد. كان من روادها شاعر كركوك الكبير(هجري ده ده) قبل ان تهمل المقهى وتترك للنفايات.  انتقلت محلات الاورزدي بك من بنايتها القديمة والواقعة قرب بهو الضباط الى شارع الجمهورية وبوشر في السبعينات ببناء مجمع تجاري باسم ابي حنيفة النعمان وتحول هذا الشارع الى ملتقى للشباب الهاربين من ظجر الايام والتنزه في ازقة حي عرفة العصري.
هذه المطاعم يضاف اليها كوكبة من الباعة المتجولون يبيعون كل شئ يوكل تقريبا من حمص "لبلبي" وشلغم والتكة والمعلاق وانواع الحلويات والعلوجة والشروب والشربت بانواعه. وكان الصبيان يبيعون الكريمستي والجلورة السليمانية وعربات الدوندرمة والسندويش. 

المرأة..  ملكة متوجة على عرش المطبخ البيتي

المطبخ البيتي تبقى فيها المراة سيدة وملكة متوجة على هذا العرش لا تتنازل عنها مدى الدهر فالطبخ شغف وهواية وفن ووسيلة تسلية وقتل وقت. لقد تفننت ربة البيت الكركوكية في اعداد الاطعمة الشهية وقد تبقى هي وصديقاتها ليوم بالكامل يعدن الطنجرة الكبيرة لاكلة الدولمة الكركوكية الشهيرة حيث يحشى البيدنجان والشجر(كوسة) والخيار والبطاطة والبصل والطماطم والسلق وورق العنب واللهانة، في حفل منوع منها الخضراوات اليابسة في فصل الشتاء والاخضر في فصل الربيع والصيف. قلما وجدت في المطابخ الاخرى هذا التنوع الكبيرفي اكلة الدولمة. النسوة الكركوكيات اكتشفن بان ليس هناك شئ يؤكل لا يستطعن حشوه في الدولمة، مثل الرز والبهارات واللحم المثروم وبقايا حشو البادنجان والطماطم والكوسة. قد تكون السيدة التركمانية فنانة في طبخها الدولمة لا يجاريها احد في ذلك. تراها تقوم باظافة الحامض الى الحشو كالليمون دوزي، وتتفنن احيانا وتضيف اليها رحيق السماق بعد غلية. اما الطبقة السفلى من الطنجرة فيسمى ب(قزان ديبي) تلك المجموعة من بقايا الخضراوات والسلق الكركوكي المشهورتوضع في قعر الطنجرة. اذا كان المرء مقتدرا ماديا فيضع شيئا من لحم الخروف وخاصة الاضلاع في قعر الطنجرة. وقد وجدت عدد من النسوة ممن يضعن لحم الدجاج.

المسواق

المسواق الصباحي اي التسوق كانت السيدة الكركوكية توليه اهتماما خاصا وذلك في اختيار الخضروات والمواد التي تدخل ضمن طبخة اليوم. كانت تشتري تلك المواد من احدى اسواق كركوك الشهيرة واقصد سوق قورية القديم. هنالك محلات تعودت التسوق منها، وهي إذن ا"معميلة" اي زبون دائم. وربما كانت برفقتها احد اولادها لمساعدتها في حمل الحاجيات. اما في الصباحات فعادة يكون احد ابنائها يذهب الى الفرن القريب من البيت لشراء الخبز وربما الصمون الاوتماتيكي الذي ظهر فجا كمنافس للخبز الشرقي في منتصق الستينات، وقد يشتري بعض الكاهي والبورك والقيمر.

سمك المسقوف


قائمة الاكلات الكركوكية طويلة اذكر منها(سولي كبابي) وتحظر من اضلاع الخروف حيث يقلى في الزيت بعد غلية و يستعمل ماء اللحم ليصب على الخبز الثريد وتوضع على الاكلة اللبن والثوم والبهارات. كان والدي رحمة الله عليه يحدثني عن ظيف له قادم من بغداد حين دعاه الى اكل تلك الاكلة الكركوكية فابى الرجل ان ياكل وجبة الطعام المقدمة له بانتظار بوصول الكباب الذي كان يتصورة على شاكلة كباب مطاعم بغداد ك" كباب ولبن اربيل" في منطقة طوب ابو خزامة في مركز بغداد. اما اكلة(امام بايلدي) فيتم تحظيره بقلي الكوسة " قباغ -كولكه"واظافة اللبن والثوم اليه ومن الاكلات الكركوكية اكلة "الشيخ محشي" وتشبه الدولمة ولكن يستعاظ من الرز في الحشو باللحم المثروم حيث يفرخ بطن البيدنجان ويملى باللحم المثروم وبعض التوابل و"البادم " او الصنوبر ويربط باحكام بالكرفز، وهناك اكلات اخرى، مثل:
تبسي، ممبار، سلق اشي، قالدرقوي، بامية اشي، كروان اشي، ترخانة، قوري فاصوليا، برياني، باجة(كله و بي). الباجة التركمانية مشهورة ولذيذة وفيها تنوع في التركيب والحشو قلما نلتقي بمثيله في المدن العراقية الاخرى، حتى عند باجة "حاتي" البغدادية. وهناك اكلات كثيرة اخرى مثل قرة خرمان، دوكمة، برغل بيلاوي، تاوغ شورباسي، جل فراي، بتيته جاب، بطاطا اشي والكبة بانواعها وكبة الموصل والكبة الحامظة مع شوربة السلق مع الشلغم والحمص واكلات كثيرة اخرى.

 

جلسة سمر نسوية مع الشاي من السماور

 

 

موائد المناسبات الدينية والحفلات

ان المائدة الكركوكية كمثيلاتها في معظم انحاء العراق تتزين باطيب واشهى الماكولات في مواسم الاعياد والمناسبات الدينية والحفلات. ان مسيحيي كركوك كان لهم ايام اعيادهم موائد خاصة يعرفها من كان له جار مسيحي في احياء مثل عرفة والماس وطريق بغداد. تجدر الاشارة هنا بان شهر رمضان من الاشهر التي تكون ربة البيت مشغولة تماما بشؤن المطبخ في تحضير الوجبات الخاصة بهذا الشهر الكريم من سلطات ونواشف وشوربة العدس والشفتة والكفتة و جالن بودي وحلويات الشهر الكريم الزلابية والكوبمة. لا يغيب التمر من مائدة الافطار ابدا كسنة نبوية، ثم تاتي الاكلات حسب موسم حلول الشهر الكريم. صباح اليوم الاول من العيد السعيد مائدة خاصة تحضر بمجرد عودة كبير العائلة من المسجد بعد ادائه لصلاة العيد. وقد يكون هذا التقليد خاص بعيد الفطر اذ يفطر الذي اقام الشهر لاول مرة صباح العيد وتكون الوجبات عادة حلوة كطبق اكلة " لتكة ـ قيسي " وهي طبخة من فاكهة المشمش اليابس ولحم العجل مع الرز الذي يحلى بكل ما حلى من لوز وكشمش ولحوم وشعرية حيث تزين بها قمة صحن الرز، وهذا التقليد يؤخذ به في عيد الاضحى كذلك. اما "الهريسة" فتعتبر من اكلات المناسبات الدينية كعاشوراء. وقد تكون الحلوى التي يتم اعدادها من الطحين والصنوبر كمثيلتها الهريسة توزع على الناس كصدقة يتصدقها صاحبها لوفاء نذر نذرة احدهم وتحقق طلبة بمشيئة الرحمن.

 

داخل المطبخ

 

الثراء في الموائد انعكاس لثقافات المتعددة

القروي القاطن في ربوع الريف كرميان- سهل كركوك نكهة خاصة خاصة اذا عرفنا بان الناس كانو كرماء على سجيتهم من البساطة والفقر فكان اذا حل الحضري ضيفا عليهم قاموا فورا بذبح الخرفان او الدجاج او الوز او الفسيفس(على شيش) على شرف الزائر كل حسب مقدرته. نادرا ما يذبح القروي الدواجن حيث كان لحوم الدواجن من ماكولات الاغنياء وربما هو حال الكثير من ابناء العراق اليوم حيث تحول لحم الدجاج الى نوع من اكلات الارستقراطية والعوائل الميسورة و المتنفذة.

ان لتحضير الرز في كركوك نكهة خاصة وقد تكون انت احد عابري السبيل فتصادف ذلك وقت الظهيرة فتشم رائحة الدهن الحر(الزيت الحيواني) الذي يصب بعد غليه على قدر التمن فتنتشر رائحته في الحي بالكامل ويطيب اكله مع خبز حار من تلك التي يخبزنه النسوة الكركوكليات في التنور الطيني الفخاري الكبير وهي على نوعين" ماده اكمكي _كوليرة"



خبز التنور

 ويكون صغيرا نوعا ما وثخين ويوضع "الكندج السمسم" عليه و يشبه الخبز التركي المسمى ب (بيدة) والنوع الاخر رقيق وكبير(لواشة) كتلك التي كانت تخبز في مخابز الكاظمية والنجف وكربلاء والكوفة وهو بالتاكيد قادم من ايران. اما " ناني ساج -ناني تيري" فقد كان من سمات الخبز الريفي ونادرا ما كانت عائلة في الحظر تخبز تلك الرقائق الخفيفة على(صاج) وهو صحيفة معدنية رقيقة دائرية مقعرة توضع على النار المشتعلة وثم تفتح العجين "خامر كوند سي " على شكل رقائق بواسطة عصا خشبية تسمى ب "تيروك"ويتم تبيس هذه الرقائق لتؤكل بعد ذلك بعد رشها بالماء.

 

المعجنات والحلويات تزيد البهجة في الاعياد والافراح

من خبز التنور الى تلك التشكيلة الفريدة من نوعها من حلويات ومعجنات امم الشرق التي تلتقي في هذه البقعة من الارض ونبدء من الكليجة "كولجة"التي كانت محصور تحضيرها في مواسم الاعياد نظرا لغلاء محتوياتها من الحشو على ميزانية العائلية الكركوكية قبل اربعون عاما. لكن مع مرور الزمن وتحسن الحالة المعاشية للناس بدات الكوليجة تتحول الى وجبة حلى بين قائمة الماكولات اليومية. رغم وجود اشكال كثيرة للمعجنات البيتية تبقى الكوليجة ملكة وسائدا في معظم البيوت العراقية ولتحظيرها قبل العيد طقوس حيث تتجمع النسوة بالتناوب يوما عند بنت العم وآخر عند بنت الخال وآخر في بيت الجيران، حيث للجار في مدينة كركوك اهمية كبيرة واحترام وحقوق تتجاوز احيانا كثيرة حقوق القرابة والنسب.
يتم تحظير خميرة الكليجة كعجينة الخبز ولكن يضاف اليها العطور والهيل والدارسين والسمن ثم تعجن بصورة جيدة. الحشو مختلف كثيرا بين الجوز والفستق وجوز الهند والتمر العراقي والسكر وبهارات خاصة بالكليجة، وكما ذكرت تتجمع النسوة و تتبارن في حشو عجين الكليجة واعطائها شكل جميلا وبمختلف الاحجام ثم توضع وترتب في صواني كبيرة. تؤخذ بعد ذلك الى اقرب فرن للخبز بعد ان تمسح بالفرشات بسائل متكون من البيض والماء. هنا تجدر الاشارة الى ان العديد من العوائل الفقيرة كانت تعمل صينة من الكليجة، ثم من العجين المتبقي يحظر "الدرناغلي" وهي على شكل اقراص دائريه صغيره يستعمل اسفل الكوب او القدح لقطع العجين المفتوح على "الدرخونة" وهي قطعة خشبية دائرية كبيرة يسرح العجين عليها وقد تستعمل بعض الاشكال الخشبية او المعدنية في تزيين العجين واعطائة شكلا جميلا.

 

بائع السميط

 

اما الحلويات والبقلاوة فلها محلات خاصة، اذكر منها محلات حلويات حسن نجم، حيث تلتقي بتشكيلة رائعة من حلويات الشرق كالبقلاوه بانواعها والبورمة والزلابية والبورك و"الشكرلمة" و جورك ويكون يابسا يحلو اكله مع قدح من الشاي. وهذه الكلمة اذرية قديمة حيث يطلق على الخبز هذه التسمية لحد يومنا هذا في اذربينجان. لقمة القاضي "كوبمة" هي من الحلويات الرمضانية حيث تحضر في مطابخ البيوت كذلك.
هذا التنوع في المائدة الكركوكية هو نتيجة من نتائع التعدد الثقافي والاثني والتاريخي لابناء العراق..
فالف تحية حب وتقدير للايادي الغالية للنسوة الكركوكيات اللواتي حملن تلك التقاليد ليتوارثها جيل بعد جيل ابنائهم وبناتهم لتدخل البهجة والسرور الى العائلة..  فسلاما اينما كن وتواجدن ملئها المحبة والوفاء.

ــــــــــ
 * مسميات الاكلات باللغة التركمانية وتركت اسماء الكردية للاكلات على حالها وهناك بعض التسميات العربية والسريانية والفارسية والانكليزية.

ـــــــــــــــــــــ

 

العودة للفهرس