(سيرة)

أحمد هاشم الألوسي ذ لك العراقي الغريب

الذي ساهم بتأسيس الشعر التركي الحديث!؟

نصرت مردان ـ جنيف nasratmardan@bluewin.ch

 

     

لم يعش الشاعر العراقي أحمد هاشم الألو سي من السنوات الخمسين، التي عاشها إلا 12 عاما في ارض وطنه العراق.

ولد عام 1885 بمحلة(العاقولية) ببغداد.أبوه(عارف حكمت بك الألوسي)، وهو حفيد المفسر الشهير أبي ثناء الألوسي حينما رحل مع أبيه إلى استانبول عام 1896 بعد عام من وفاة والدته لم يكن يجيد اللغة التركية.أدخله والده مدرسة(نمونة شرقي) لتعلم التركية ثم انتقل بعدها إلى ثانوية(غلاطة سراي) التي تدرس اللغة الفرنسية. عمل كمدرس للغة الفرنسية بمدينة ازمير، عند عودته الى استانبول انضم الى حركة(فجر آتي) الشعرية وهي حركة أدبية تأسست عام 1909 و كانت تنادي بالتجديد في الفكر والمضمون والانفتاح على التجارب الأدبية الأوربية، وذلك من خلال عكس التنوير الغربي على أفاق الأدب الشرقي من التأكيد على الروح الفردية في الخطاب الشعري وعلى الجمال المطلق. ومن أهم شعراء هذه الحركة: أحمد هاشم، أمين بولند، حمدالله صبحي، رفيق خالد، صباح الدين سليمان، فاضل احمد، عزت مليح، علي سها ويعقوب قدري. ورغم أن العديد منهم تركوا صفوف الحركة إلا أن الألوسي ورفيق قدري ويعقوب قدري ظلوا على ارتباطهم بمباديء حركة(فجر آتي) التي أنفرط عقدها في 1911.

في عام 1920 قام بتدريس علم الجمال والميثولوجيا في مدرسة الفنون الجميلة.في عام 1921 أصدر ديوانه البكر(كول ساعتلري ـ ساعات البحيرة) وصدر في 1926 ديوانه الثاني(القدح).سافر في 1932 إلى ألمانيا إلى للمعالجة من مرض الكلى المزمن.بعد عودته أصدر(رحلة فرانكفورت).رقد في المستشفى الألماني باستانبول عند تأزم وضعه الصحي.توفي في 3 حزيران 1933 في منزله باستانبول.

تحمل قصائده بصمات من التأثر بالشعراء الرمزيين والانطباعيين الفرنسيين بسبب ضلوعه الواسع باللغة الفرنسية، وخاصة بعد زيارته لباريس في 1924 حيث كتب في مجلة(ميركور دو باريس) مقالا هاما بعنوان(اتجاهات الأدب التركي المعاصر).

أسس في قصائده عالمه الخاص الذي ظل يهفو إليه موحدا بمهارة بين الألوان والخيال والأنغام. إلا أن الرمزية في شعره تظل غير متكاملة كالتي في قصائد رامبو وفيرلين.

يقول عنه الروائي والدبلوماسي التركي يعقوب قرة عثمان اوغلو، ان احمد هاشم لم يشبه أحدا ولم يشبهه أحد.لقد تجمعت في شخصه الأضداد.كان معقولا وغير منطقيا في نفس الوقت.كان مريرا كالعلقم وحلو المعشر أحيانا كالشهد.كان رقيقا وعاصفا.جمع في شخصه أضداد الحياة كلها. تسلطت عليه فكرة أنه قبيح إلى أخر لحظة في حياته، لسمرته وللآثار التي تركتها(حبة بغداد) على وجهه، وأنه لا يمكن لامرأة ان تحبه.رغم أنه أوشك على الزواج من فتاة إيطالية أحبته إلا أن أوهامه وشكوكه حالت دون إتمام هذا الزواج في أخر لحظة. أثرت وفاة والدته في مرحلة مبكرة، وقسوة والده في تربيته على مزاجيته وأوهامه.فقد قضي عمره لا يثق بأصدقائه من الشعراء والأدباء مفضلا عليهم صداقة أناس بسطاء من عامة الناس بدلا من النخبة المثقفة.

الليل في شعره ليس ذلك العالم الذي نعيشه بعد انطفاء شمس النهار.الليل، ورقة قاتمة السواد.القمر، زهرة أرجوانية فوق هذه الورقة المعتمة. والشاعر بالنسبة للألو سي، ليس بالضرورة أن يكون رسول الحقيقة ولا إنسان البلاغة أو واضع القوانين، وليس أن تكون لغته مفهومة من قبل الجميع لأن القصائد المفهومة من قيل الجميع لا يكتبها الا الشعراء الرديئين.

اسطنبول

 

الشعر باب مشرع حتى النهاية

شرح أحمد هاشم مفهومه للشعر في مقدمة ديوانه(القدح) بقوله " الشعر دائما مشرع الأبواب على مصراعيه للتفسيرات المختلفة، شانه في ذلك شأن الأحاديث النبوية.وقد يكتشف القارئ معان ورؤى وتفسيرات تختلف جذريا عما يقصده الشاعر.وهذه هي إحدى مهمات الشعر والشاعر. حيث يتحول الشعر إلى لغة مشتركة للأحاسيس والعواطف بين الشاعر وقراءه. أهم القصائد هي تلك التي تقوم على فرشة عريضة، لا متناهية من العواطف والأحاسيس. ماهي أهمية الشعر ذو البعد الواحد أمام القصيدة التي تثير العواطف والأحاسيس الإنسانية الجياشة، تلك القصيدة السيالة كنهر لا يعرف التوقف.. "

كان كما يصفه كل من عرفه ذكيا يكره الأدعياء، يعشق الطعام الجديد والمرأة الجميلة والإشاعات والتجوال على ساحل البحر أحب الحياة بعين طفل.ربما كان يعتبر الشمس إلها كما في الأساطير القديمة.وربما كان العالم بالنسبة له العالم بالنسبة له داخل الحدود التي ثبتها هيرودوت. اعتبره العديد من الشعراء الأتراك أكثر ثقافة منهم رغم لغته التركية التي كان ينطقها بلكنة عربية.

أحتوى ديوانه(ساعات البحيرة) الصادر 1921 على مفرداته الشعرية الأثيرة الليل، الطيور، القمر، السحر الأمر الذي دعا الخبثاء إلى إطلاق لقب(شاعر الضفادع) عليه.ورغم أنه عاش في عصر الثورات والحروب والهزائم التي عصفت بالعالم إلا أن قصائده ظلت بعيدة عن الهموم الجماعية تعبر عن خصوصيته وعالمه الخاص المتفرد.

 

النخلة تذكره بالعراق

عانى الألوسي شوقا دائما إلى فردوس طفولته بغداد التي كان يتذكرها دائما، ويظهر ذلك بوضوح من خلال مشاهدته في أحد الأيام لفسيلة نخلة في محل لبائع الزهور باستانبول، حيث يقول:

 " كانت الفسيلة التي اقتلعت عنوة من أفياء أمها الرحيبة، تبدو منكسة الهامة في شمس الظهيرة، يتيمة ووحيدة، نخلة كتب عليها أن لا تتبلل من أمطار الشتاء، ولا يهتز سعفها في العواصف في قلب وطنها الصحراء. قطعا كانت هذه النخلة الوحيدة تعاني في ظلمة هذا المحل إلى شوق جارف للسماء والنجوم والقمر والصحراء مثل الشوق الذي أحسه الى ضفاف دجلة.. ".

إن اللهفة التي عاشها أحمد هاشم الى الوطن الذي لم يزره قط حتى مماته انعكست على قصائده التي هرب فيها إلى البلد ـ الملاذ الذي كان يأوي إلى أفيائه، باحثا فيه عن آماله وأحلامه في هذا البلد غير المرئي الذي أقام أركانه في قصيدته الرائعة(أو بلدة ـ تلك البلدة).لقد نظر الألوسي الى نفسه كإنسان منفي إلى الأبد من العالم الحقيقي. ففضل الانتقال في شعره إلى مناطق لم تمتد إليها يد الخيال.

                  تلك البلدة

 

            هل تقف على أعتاب الخيال

             في مساء بلون البحر

             هتاك النساء رقيقات وجميلات

             رغم الحزن الشفيف في عيونهن

             في عيونهن استفهامات نهر نبيل

             يجد الذين لا وطن لهم

             ملاذهم في ذلك الحزن الصامت

             لامساء شريد

             ولا بحر مريض

             في تلك البلدة.

 

                    الشفق  

 

                هل نعود من شفق هذا المساء

                         أم نرحل إلى ديار ليلى

            أنعود الى وصال من فارقناهم ؟

            محال

            ثمة يد ممتدة من الأفق

            تجرنا الى وصال الظلمة.

 

        

              تلك

 

       ثمة امرأة مريضة على شاطيء دجلة

       تحمل طفلها المريض       

       يمد الضباب الوردي غطائه على الصحراء

       تنتظر ميلادك عند الإياب

  

     على الخيال المريض الجوال في الضفاف

     يحمل جبينها بريقها النبيل

     تحس بأنفاسها الدافئة المنيرة

     تهبط كقبلة رحيمة على التعب المخيم على روحك

 

               الخريف

 

    أيها القمر القديم، تعرفنا أنت دون شك

      ظلال الجمال تحت ضياؤك، كانت أمي

     كنت أنا ذاك الصبي، ووجه الدهشة

     في فيء ظل دام اقتلعته العاصفة

     قبل خمسة عشر عاما، عاشت الحقيقة في ذلك المساء

    من أجل ذلك ملأت الظلمات روحي بالدموع

    أنثر على كل خريف، العزاء

    روح الموسم ترتعش مثل الضباب

    شمس مريضة تصب على الأفق ظلال المعادن

    وأنت أيها القمر القديم حتى متى ترسم

     على الأفق لوحة العزاء ؟

     ابعث أصوات البكاء     

     عزاء لذلك القبر الصغير المنسي

    القابع في تلك الصحراء دون صاحب.

 

الشاعر التركي الشيوعي الشهير(ناظم حكمت)

ناظم حكمت يهجو الألوسي

 كما هي العادة في المنافسة بين المثقفين، هاجم العديدون أحمد هاشم الألوسي، الذي يعتبر من أهم الشعراء الرمزيين والانطباعيين الذي ترجمت قصائده إلى لغات عديدة ومنها اليونانية. العديد من الشعراء الأتراك ودخلوا معه في معارك أدبية طاحنة.وكان أغلب أعدائه يعيرونه بأصله غير التركي.ومنهم الشاعر ناظم حكمت، ذلك الشاعر الشيوعي الذي يتباهى بأنه(اممي)!

 قام ناظم حكمت(1902 ـ 1963) بحملة شعواء ضد العديد من الشعراء والأدباء، واصفا إياهم بالأوثان، والتي بدأها في 1929 بقصيدة(نهدم الأوثان) هجا فيه الكاتب والروائي المعروف يعقوب قدري قره عثمان أوغلو ثم ما لبث أن واصل هجاءه المرير للكاتب بيامي صفا والشاعر نجيب فاضل، سعاد تحسين وشاعرنا أحمد الألوسي. ومن المؤسف أن ناظم حكمت في سبيل النيل من هؤلاء الأدباء لم يتوان من أن يعيره كالآخرين بأصله غير التركي، ومعرفته للغة الفرنسية. وان يجد في ذلك وسيلة مشروعة في هجائه المقذع ضد هاشم الألوسي لمجرد أنه يختلف معه في رؤيته الشعرية.ومجرد قراءة أولية لبعض أبيات قصيدة ناظم حكمت تكفي لتقييم رؤيته للهجاء الشعري الذي تقوم على إباحة كل ما من شأنه تهميش وتحطيم أعدائه :

     

       جواب إلى حمدي صبحي وأحمد هاشم    

           

             ثمة شريدان

             الشريد الأول

             يرقد تحت الجسور

             والثاني هائم على مائدة السكارى

             ذوي الياقات المنشاة

             مستمعا إلى شحاذ بغدادي يعزف على الرباب

                ثم يرطن بلغة الإمبريالية الفرنسية

             أنا لست الراقد في أفياء الجسور

              أو المستجدي على مائدة السكارى

              أنا شاعر الذين يخلقون الحياة

              من التراب والنار والحديد

              من أين للمهرج البغدادي اليتيم

              أن يتذكر كيف فقد جناحيه

              على خط أدنة ـ مرسين

              وبات بعيدا عن الخيمة التي ولد فيها ؟

الشاعر (احمد الآلوسي)

 لم يرد أحمد هاشم على هجاء ناظم حكمت شعرا، لأنه كان يعتقد أن للشعر مهمة جمالية ولا يجب تعكير فضاءاته بمفردات خارجة عن الإطار الجمالي والرمزي.لذلك رد الألوسي على ناظم في مقال قال فيه :

 " من الطبيعي أن يعيرني ناظم حكمت باليتم وأصلي البغدادي.لكنني أفتخر بأنني لم أكن في يوم ما من سلالات باشوات بولونيا، ولم أتربى مثله يوما على أيدي المربيات الأجنبيات، ولم اسرق قصائدي من مايكوفسكي، ولم أخدع أحدا بارتداء ملابس مهلهلة للضحك على ذقون الطبقة العاملة، لإيهامهم بأنه ليس من سلالات الباشوات العريقة التي لم تعرف يوما معاناة العاملين والفقراء، ولم أكبر مثله بأموال والدي الباشا الذي ظل يعطيه المصروف حتى وفاته العام الماضي.لم أعمل أن أثير شكوك وريبة الشرطة بتصريحات مزعومة وأثيرهم لإلقاء القبض علي لمجرد أن أثبت للآخرين بأنني بطل وشاعر ثوري مهم، أهدد أمن الدولة، ولم أكتب قصائد عن نضال العمال كما يفعل هو من قصر والده الباشا المنيف !.. "

أقسم ناظم حكمت برأس لينين بعد إطلاعه على رد أحمد هاشم بأنه سيحطم أنفه حينما يقابله في أي مكان.وبطبيعة الحال نقل المنافقون الخبر إلى الألوسي قائلين له :

ـ من الخير أن تقتني مسدسا للدفاع عن نفسك، خاصة وأن ناظم ضخم الجثة على العكس منك.

وهنا رد عليهم أحمد هاشم :

ـ في خزانة ملابسي ثمة مسدس ينتظر منذ 15 ولم أستعمله قط !

توفي أحمد هاشم وحيدا في منزله 1933 بعد صراع مرير مع مرض الكلى.تاركا خلفه قصائد تكفي لتخليده في الشعر التركي حتى يومنا هذا.حيث لا يستطيع أي باحث في تاريخ الشعر التركي أن ينكر عطاءته الشعرية. رغم أن لغته الشعرية زاخرة بالعديد من المفردات العربية التي كانت تزخر بها اللغة العثمانية.ولعله وهو الذي لم يزر قط مدينته بغداد بعد رحيله إلى استانبول،كان يجد في تلك المفردات عزاء عن منفاه الذي اختاره رغما عنه، فظل يجد في مفرداته العربية التي استخدمها بإفراط يعاني حتى نهاية حياته من الشوق إلى بغداد. وظلت الأم التي تحدث عنها على ضفاف دجلة تنتظر إياب وليدها دون جدوى.

 

                قصيدة الموت

  

        أريد أن أتسلق سيناء الحزن

             لأهوي منها إلى أحضان الموت

             في الهاوية التي تعرف كينونة الأحزان

              يصعد نحو سيناء الحزن

              مساء بلون القرابين

              أريد الموت

              في الهاوية التي تعرف كينونة الأحزان

              تهز الشمس قميصها الدامي

              يحاصر الصمت الوجود

              ويهدأ ضجيج الكون

              تنسحب الأنهار في الآفاق مثل اللهب

              يفتح العدم ذراعيه للجسد

              وتقول الهاوية لك(هيا !)

              من هناك أود السقوط

               نحو الهاوية التي تعرف كينونة الأحزان              

              دون سماع صرخات الأمل لقلبي.

 

العودة للفهرس