سليم مطر ـ جنيف  www.salimmatrar.com

 

محبة الوطن، تعني الارتباط بواقعه واحترام خصوصياته

تقول المعتقدات الآسيوية، إن تريد ان تبعد الشر عن أي انسان عزيز عليك، فابعث له طاقة المحبة الصادقة من اعماق قلبك، لأن المحبة وحدها كفيلة بابعاد الشر مهما كان مصدره. ان الكوارث لا تصيب اية جماعة او مؤسسة او امة، إلاّ بعد ان يضعف الحب والتضامن بين اهلها، وتسود الغيرة والبغضاء، فتتراجع طاقة المحبة والخير لتحل محلها طاقة الحسد والحقد والشر، فتكثر الفواجع وتحل النوائب ويتكالب الاعداء مثل الذباب على طفل مهمل.

    ان الاهتمام بالوطن والتعرف على مكنوناته واحترام خصوصياته، افضل تعبير عن محبتنا له. ان محبة الوطن تعني اولا محبة اناسه والاهتمام بثقافته واحترام تاريخه.

الامم العربية مثل كل الامم التي تعاني من الكوارث المزمنة، فهي تعاني اساسا من (ازمة محبة واهتمام) من قبل ابنائها ونخبها الفاعلة. لنأخذ (العراق) مثالا متطرفا على هذه الحالة:

    قبل النظر الى الواقع السياسي العراقي المتأزم، يجب النظر الى (الواقع الثقافي المتأزم). لأن الثقافة هي الضمير، وعندما يتأزم الضمير، يتأزم معه باقي البدن. ان الثقافة العراقية الحديثة منذ بداياتها في اوائل القرن العشرين وحتى الآن تعاني من ذلك المرض المزمن االذي يمكن تسميته بـ (( مرض الانقطاع عن الواقع))!!

عبادة التجريد والخارج

قبل تفصيل( اعراض ) هذا المرض ومسبباته، نود ان نوضح ونؤكد، انه ليس متفشيا في كل بدن الثقافة العراقية، بل في الاعضاء الرئيسية الحساسة. هنالك دائما مثقفون عراقيون اصيلون مرتبطون بالواقع مثل النخلة بالارض، لكنهم للأسف يبقون اقلية..المقصود بـ(الانقطاع عن الواقع)، هو عدم التعبير عما يعيشه المثقف نفسه، ثم ما يعيشه اهله وشعبه. يتجلى هذا الانقطاع خلال المظهرين التاليين :

 اولا ،سيادة الاسلوب التجريدي الشمولي والغامض:

 ونعني به ذلك الميل الى المواضيع التجريدية التي تتجنب التوضيح وتسمية الامور بمسمياتها. افضل تعبير عن هذا، هو اساليب(الرسم). الغالبية الساحقة من اللوحات العراقية تتبع الاسلوبي التجريدي والانطباعي الغائم. الفن التشكيلي العراقي لم يعرف المدرسة الواقعية(الكلاسيكية) التي سادت اوربا لعدة قرون ومهدت للتحولات اللاحقة. كعادته، فضل الفنان العراقي ان يطفر على هذه الواقعية نحو آخر ما بلغته الفنون الاوربية من تجريد وغموض. بل بلغ خوف الفنان العراقي من (الواقعية) انه تجنب حتى(السوريالية) التي تعتبر من اكبر المدارس الحديثة، لأن هذه المدرسة رغم تمردها على الشكل الواقعي إلا انها تستخدم تقنية الرسم الواقعي!! لو تطلعلنا في الكم الكبير من اللوحات التي تركها لنا الفنانون العراقيون منذ قرن وحتى الآن، فأننا سوف نعثر على عدد قليل جدا من اللوحات التي نتعرف فيها بوضوح على معالم وطننا واهله وثقافته.. هنالك غالبية ساحقة من رموز فنية ضبابية تجريدية وانسانية عامة، قد تكون جميلة وذات قيمة فنية عالية، لكنها للاسف ليس لها اية علاقة بالواقع العراقي..

اما في التعبير الكتابي، فأن الكاتب العراقي ظل خائفا من الوضوح تجنبا لتهمة(التبسيط والمباشرة). تراه يتجنب ان يسمي(الشجرة) (شجرة) و(القطة) (قطة). وحين يكتب لك قصة، من الصعب ان تعرف اين تدور احداثها وفي أي تاريخ، ومن هو  بطلها.. ليس هنالك غير ضباب كلامي . الجملة الواحدة تتجاوز عدة اسطر، بلا فارزة ولا  فاصلة، ناهيك عن نقطة. بفضل الرئيس القائد(حفظه الله ورعاه) ساد الاسلوب(الصدامي) في الكتابة العراقية ودخل حتى الى الادب ولغة الكلام اليومية. تسمع وتقرأ المقطع الواحد عشرة مرات، ولا تعرف (هل حمدان ذهب الى مشعان، ام مشعان هو الذي ذهب الى  حمدان)؟! ولو عرضت المقطع لأكبر النحويين، لما استطاع ان يبين لك اين هو الفاعل واين هو المفعول به.. هنالك خلبصة في اللغة تصيب اكبر العقال باللوثة العقلية.. كل هذا لكي يثبت لك الاخ انه (مثقف فطحل) لا يدرك مقاصده إلا الله والضالعون بالعلم!

ثانيا، تجنب الحديث عن المجتمع العراقي، وتفضيل المجتمعات الخارجية:

 لو القينا جردة سريعة على الغالبية الساحقة من النتاج النثري التحليلي والاكاديمي العراقي، فأن نسبة النصوص التي تتحدث عن حالة عراقية، لا تشكل حتى ربع هذا النتاج، والباقي عن الشعوب العربية والمجتمعات الغربية.. خذ أية(مجلة ثقافية عراقية) والقي نظرة على الفهرست، تجد ان العراق وتاريخه وفئاته الاقوامية والدينية والمذهبية وجغرافيته ومدنه وقراه، شبه مغيب، ولا يذكر الا في موضوع او موضوعين؟! غالبية المواضيع الدراسية والنقدية تتحدث عن امور خارجية، عربية وغربية وعالمية. إن كانت المجلة ماركسية، فأن غالبية المواضيع كانت عن (المعسكر الاشتراكي) و(معانات شيلي) وعن( ثورة كوبا) و(تجربة الصين)، اما في السنوات الاخيرة فأن موضوع(العولمة)!! اصبح الهاجس المقدس للجميع، بحيث ان ما كتب عنه تجاوز ما كتب عن الوطن طيلة قرن باكمله!!

خلال كل تاريخ الثقافة العراقية الحديثة، اهمل الجزء الاكبر من الاشكاليات الوطنية المستعصية. افضع مثال على هذا، انه لولا الباحث(الفلسطيني الامريكي) (حنا بطاطو) الذي كرس عشرات السنين من عمره من اجل دراسة المجتمع العراقي، لما عرفنا، بالتحليل وبالارقام، ان هنالك مشكلة طائفية لدينا. ترى مثقفنا اليساري يعرف كل تفاصيل المجتمع الروسي وتاريخ الثورة الفرنسية واسماء ثلاثة ارباع اعلام الغرب، لكنه يعرف بصورة عابرة من هم الشيعة ومن هم السنة، ويجهل تماما ثقافة اخوانه السريان والتركمان، ولا يعرف من تاريخ وثقافة الاكراد غير تلك الشعارت السياسة الفضفاضة، وليس بحوزته من تاريخ الوطن غير بعض الذكريات المدرسية ونتف من الاحداث السياسية.. 

  صحيح انه في السنوات الاخيرة ثمة وعي وطني كبير بدأ ينموا بين المثقفين العراقيين، الا ان (تراث الميل الخارجي) لا زال مهيمنا على الكثير من العقول. مثال بسيط ويومي على هذا: نقلت الصحف العراقية منذ بضعة اسابيع، خبرا صغيراعن صدور الكتاب الرابع من سلسة كتب تصدر عن (مركز دراسي عراقي) متخصص بموضوع الدين والديمقراطية. وهذا المركز مدعوم وممول من قبل الدولة العراقية. والغريب العجيب، ان هذه الكتب الاربعة التي اصدرها المركز وبتمويل عراقي في بغداد، ثلاثة منها لمؤلفين عرب، مصري ومغربي ولبناني، وهناك عراقي واحد هو الاخير!! تصوروا رغم كل الكوارث التي يعاني منها الوطن ورغم اطنان الكتب العراقية التي يحلم اصحابها بطبعها، فان هناك من لا يزال يمتلك ما يكفي من البطر(القومي) لكي يصرف اموال الحكومة لاصدار كتب لمؤلفين غير عراقيين!!

نموذج الثقافة المصرية

  الثقافة العراقية(ومثلها الكثير من ثقافات الامم العربية) هي النقيض التام للثقافة المصرية. المثقف المصري يهتم اولا واخيرا بالثقافة المصرية. حتى عندما يكتب عن موضوع(عربي) فأنه يضع(مصر ام الدنيا) في جوهر الموضوع . عندما يتحدث عن (السينما العربية) فانه يقصد(السينما المصرية) اولا واخيرا، وعندما يتحدث عن(الموسيقى العربية) فأنه يقصد (الموسيقى المصرية)، وعندما يتحدث عن (تاريخ الحضارة) فأنه يقصد(الحضارة المصرية)، بل هو حتى عندما يتحدث عن (الحركة القومية العربية) فأن يقصد(جمال عبد الناصر والناصرية).. وبس!! المثقف المصري حتى لو كان ناقما على حكومته فأن همه الاول والاخير يبقى وطنه. ان "سر" عظمة مصر  وبقاء مركزها المهيمن في العالم العربي، هو ذلك (الحب) الذي يحمله مثقفوها واهلها اليها.. وقد فرضوا (حب مصر) وتقديسها على العالم العربي بأجمعه، بحيث صار من الطبيعي جدا ان تستخدم اللهجة المصرية من قبل الكثير من المغنين المغاربية والشاميين، بصورة مهينة للهجتهم الوطنية. منذ بضعة اعوام اصدر الباحث اللبناني(فكتور سحاب) كتابا بعنوان( السبعة الكبار في الموسيقى العربية).. والغريب العجيب ان الاسماء السبعة المختارة كانوا جميعا من مصر، مثل الحمولي وعبد الوهاب وغيرهم. لقد احتقر هذا الباحث المبجل حتى ابناء وطنه من كبار الموسيقيين امثال الاخوين رحباني. بل بلغت (العنصرية الذاتية) في هذا الباحث انه لم يذكر حتى (فريد الاطرش) رغم انجازاته الموسيقية المعروفة، لمجرد انه من اصل سوري!!

غالبية المثقفين العراقيين، للاسف يتناقضون تماما مع حالة اخوتهم في مصر. تراهم، حسب آيدلوجية كل منهم، إن كان قوميا او امميا او ليبراليا او دينيا، فأن الخارج يبقى هو الاساس بالنسبة اليه والوطن هو الثانوي. ايام البعث البائد في العراق، كان الهم الاول للمثقف العراقي هو (الامة العربية) في موريتانيا والصومال ومدغشقر وجزر القمر، ثم يأتي العراق في آخر القائمة، تجنبا لتهمة (القطرية)الخطيرة!! بل الانكى من هذا، ان المثقف العراقي حتى عندما يتناول موضوعا عراقيا، فأنه يحاول قدر المستطاع، ان يحشره في خطاب عروبي، إذ يتم الحديث عن الحضارة العباسية في بغداد بنفس المستوى مع الحضارة الاندلسية باعتبارهما(حضارة عربية)، من دون أي تمايز وطني طبيعي وتلقائي. وتتحول الشخصيات العراقية في تلك الفترة الى (شخصيات عربية، قريشية او تنوخية)، من دون اية اشارة لعراقيتهم!!

 هنالك كم هائل من البحوث الجامعية وشهادات الدكتوراه العراقية التي خصصت لمواضيع عربية واجنبية، لكن من النادر جدا ان تجد دراسة دكتوراه مخصصة لآلاف المواضيع العراقية التي ظلت مهملة ومجهولة: المدن والقرى والعادات واللهجات واللغات والاديان والمذاهب والطقوس والتقاليد والازياء والطبخ والحرف، بالاضافة الى جبالنا وصحارينا واهوارنا وانهارنا.. الخ. من الطبيعي جدا ان تجد العديد من الدراسات الاكاديمية العراقية عن حالة ثقافية عربية تتعلق بالعصر الجاهلي او بلقيس اليمن او لهجة بني تميم.. الخ .. ولكن من المستحيل ان تجد دراسة اكاديمية تتعلق  بشاعر تركماني عراقي كبير او دير سرياني، او قرية كردية، او مخطوطة صابئية. كل هذه الجامعات ومراكز البحوث التي لدينا لم تهتم بدراسة مواضيع عراقية لا نعرفها الا من خلال المستشرقين، مثلا الكاكائية واليزيدية والصابئة وطائفة الزنوج في البصرة، وغيرها الكثير من الجماعات الصغيرة والكبيرة. افضل مثال على هذا الاهمال، ان كتاب الصابئة المقدس، رغم اهميته التاريخية والدينية، فهو لم يترجم الا منذ سنوات قريبة، رغم اطنان الكتب من مختلف اللغات(الاوربية) التي ترجمها العراقيون.

                             الدكتاتورية وعقدة الخواجة

هنالك من يعتقد بأن هذا الانقطاع عن الواقع، يعود اساسا الى ظروف القمع والدكتاتورية التي عاشها شعبنا ونخبنا المثقفة. ان الخوف يمنع التفكير الحر ويقتل روح الابداع والمبادرة والتجديد. وبالتالي فأن الحل الاسهل هو استيراد كل ما هو جاهز من ثقافة خارجية مثلما يتم استيراد البضائع. هذا السبب صحيح ومعقول، لكنه مرتبط بسبب آخر، يخجل الكثيرون من ذكره، ونعني به(( عقدة الخواجة)). أي الشعور بعقدة النقص امام كل ما هو اجنبي وخارجي، والاعتقاد بان كل ما هو شخصي ووطني لا يستحق الاحترام والفخر. هذه العقدة معروفة وتعاني منها خصوصا شعوب العالم الثالث بسبب التاريخ الاستعماري وفقدان الكرامة الوطنية واجتياح الثقافة الغربية. لكن الشعور بهذه العقدة يختلف بين امة واخرى، حسب ظروفها ومدى ادراك نخبها الفاعلة. هنالك شعوب تداركت نخبها هذه المشكلة وحاولت معالجتها بالتأكيد الجاد والفعلي على حب الوطن والاعتزاز بميراثه وثقافته. وهنالك شعوب للاسف، قامت نخبها بالعكس تماما، أي انها تبنت هذه العقدة وعززتها من خلال تقديس كل ما هو اجنبي وخارجي، باسم الآيدلوجيات الخارجية: الاممية والقومية والدينية والليبرالية!

لهذا يتوجب التأكيد على الحقيقة التالية: صحيح بأن (الدكتاتورية) هي سبب لتجنب الواقع، لكن ايضا(عقدة الخواجة والترفع على الواقع) هي سبب لاضعاف الشعب وفقدانه ثقته بنفسه، ثم بالتالي تسهيل الامر على المغامرين والرعاع لكي يفرضوا دكتاتوريتهم. ان الشعب الواثق من نفسه والمعتز بكرامته والمتضامن مع بعضه البعض، لا يمكن لاية قوى، لا دكتاتورية ولا استعمارية، ان تغلبه ابدا!

محبة الوطن اساس محبة الانسانية

 نعود ونذكر بتلك الاقلية من المثقفين العراقيين الذين، مع انتماءاتهم الآيدلوجية، ظلوا ولا زالوا محافظين على تمسكهم بالواقع الشخصي والوطني، وقدموا انجازات واقعية واصيلة. علما بأن هذه الاقلية اخذت في الفترة الاخيرة تنموا عددا ونوعية نتيجة الوعي الوطني المتنامي. ان كوارث الاعوام الاخيرة، جعلت الغالبية من العراقيين يدركون خطيئة ذلك التقديس الصبياني لكل ماهو خارجي.

نحن لا ندعو ابدا، الى التعصب الوطني والانغلاق على الخارج، العربي والاجنبي، ولكننا مع مبدأ: ((الاقربون اولى بالاهتمام)).. فالذي لا يهتم بنفسه لا يهتم بشعبه.. ومن لا يهتم بشعبه لا يهتم بباقي الانسانية.. نعم، ان الثقافة العراقية بحاجة الى (عودة الى الواقع..).. واقع الذات المهملة، وواقع الأمة المنسية. من دون هذه العودة الى الواقع، سوف لن تشفى امتنا من مرضها المزمن، وسيظل شعبنا تائها حائرا بلا نخبة حكيمة تمثله وتعبر عن ضميره وتقوده نحو طريق الخير والاستقرار والكرامة. ان حب الوطن ليس شعارات خلابة وكلام طنان، بل هو فعل وتفصيل يعبر عنه في النتاج الثقافي قبل كل شيء. فما معنى ان نتابكى على وطن، وبنفس الوقت نكرس جهدنا ووقتنا لثقافات اوطان اخرى؟!

ان الوطن مثل أي حبيب.. بالمحبة والمعرفة والاهتمام نحميه من عيون الحساد ومطامع الاشرار.. حب الوطن هو الخطوة الاولى نحو سلامته وخيره.. وهذه هي مهمة الثقافة الوطنية الواقعية القائمة على محبة الانسان والوطن وخالقهما الرحيم.. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال له علاقة بكلمة العدد لفصلية(ميزوبوتاميا ـ بلاد النهرين) التي تصدر في بغداد ويرأس تحريرها كاتب المقال(www.mesopotamia4374.com)

 

العودة للفهرس