من المسؤول عن الخطاب الطائفي في العراق ؟

 

قاسم محمد جبار

 

 

مع تزايد الكم الهائل من منافذ الاعلام يوما بعد اخر تتزايد سخونة التصريحات المنفلتة التي تستبطن احيانا وتظهر احيانا اخرى نزعة محورها العزف على وتر الطائفية على الرغم من حرص الساسة او الكتل السياسية التي يمثلونها على عدم اظهار هذه النزعة لكي لايتهمون بالطائفية  الا ان الثقافة  الطائفية يبدو ان هناك من يغذيها وصولا الى حرب طائفية بل هناك رأي يقول ان الحرب الطائفية قائمة في العراق وان كانت غير معلنة .

فمن هو المسؤول عن تصعيد وتيرة الخطاب الطائفي وماهي العوامل الكامنة التي تحرك هذا الشبح الذي يطل بين الحين والآخر بقرنيه على العراق .

 من المناسب ان نفهم ابتداءاً الفرق  بين حقوق الطائفة وبين الطائفية وبمعنى ادق الفرق بين الانتماء المذهبي من جهة والسلوك الطائفي من جهة اخرى  فالحقوق الطوائفية هي التي تحدد حقوق هذه الطائفة او تلك وتتبنى الدفاع عنها بشرط ان لاتتضمن تجاوزا على حقوق الطوائف الاخرى أو تأخذ اكثر من حقها والا انقلبت الى الطائفية ذات الدلالات والمضامين السلبية ، وعلى هذا الاساس فمن حق اصحاب الهويات الاخص (ضمن الوطن الاشمل) ان تتبنى الدفاع عن حقوق الطائفة بغض النظر عن حجم تلك الجماعة أوالطائفة ووزنها ضمن المجموع الكلي للوطن ، وهذه مسألة والاخرى ان القراءة الواقعية للمشهد العراقي بل وأي بلد اخر لايمكن غض النظر عن وجود هذا الواقع وأي تفكير آخر يحاول ان يعاكس هذه الواقع فهو ضرب من الخيال ولون من المثالية غير موجودة في أي مجتمع وهناك فرق بين الادعاء بانكار المشكلة وعدم وجودها في حقبة ما تحت ضغط نظام يمارس الطائفية بدون استخدام مسمياتها وبين وجودها الذي انتقل من القوة الى الفعل بعد زوال اسباب كبحه اضافة الى  بروز عوامل تغذيه  ، ولابد قبل الخوض في الاسباب والعوامل والجهات التي تقف خلف تصعيد الخطاب الطائفي في العراق ، من التعرف على العوامل المساعدة التي خلقت الجو العام المساعد على بروز ظاهرة الخطاب الطائفي الاعلامي ويمكن اجمال هذه العوامل بالمد الاعلامي الهائل والانفتاح عالميا على مختلف القنوات الاعلامية العربية والعالمية نتيجة لرفع الحواجز التي كانت تحول دون الاندماج  والاطلاع على مختلف التوجهات الاعلامية في العالم عبر الفضائيات وشبكة الانتريت  ومحليا من خلال التوسع الهائل في المشهد الاعلامي العراقي حيث شهد العراق بعد سقوط النظام موجة هائلة من الاصدارات على مستوى الصحف التي فاق عددها الثلثمائة مطبوع وعشرات المجلات العامة والمتخصصة وقرابة العشرين فضائية ( والعدد مرشح للتزايد ) وكذلك التلفزيونات المحلية ومحطات البث الاذاعي  ، وينبغي هنا التوقف عند حقيقة تتعلق بالاعلام العراقي وهو انه غير مملوك للدولة وتقف وراءه في الاعم الاغلب جهات ومؤسسات تمثل بشكل عام توجهات سياسية محددة وهذا مايدعو الى التأمل في هذه النقطة بالذات فيما يتعلق بموضوع الخطاب الطائفي في العراق اذ انها خاضعة لسياسة الجهة المالكة وتتاثر بما تمليه عليها ارادة المشرفين عليها , وسنتقتصر في الحديث عن الاسباب التي تقف وراء تصاعد وتغذية الخطاب الطائفي على المحاور التالية :

التوصيفات الاعلامية لوسائل الاعلام :

 الاعلام الغربي يختلف في تصوراته واهدافه عن الاعلام العربي المحلي وكذلك يتباين في الاساليب ، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان المؤسسات الكبرى الصانعة للاعلام هي المصدر الاول تقريبا للاعلام المحلي الذي يتسم بشكل واضح بالنزعة الاستهلاكية وهو في اكثر الاحيان ليس اكثر من صدى لما تردده وسائل الاعلام الغربية وتغطيتها للاحداث المحلية فليس مستغربا ان نسمع بحدث محلي او شان سياسي عراقي يكون مصدره الاول احدى وكالات الانباء الكبرى العاملة في العراق ، وليس ذلك مانريد ان نناقشه بقدر مانريد  فض الالتباس الحاصل بين اسلوبين في الاداء ومنهجين في التعامل مع القضية العراقية وبالذات التوصيفات الاعلامية التي حين تستخدم في تلك الوسائل ( اذا افترضنا نزاهتها ) فان الغاية منها هو التعريف من خلال التوصيف سواء كان تعريفا من خلال الطائفة او القومية وهي موجهة لقاريء لايعلم الكثير عن البلد الذي وقع فيه الحدث ، ومايرد من توصيفات في وسائل الاعلام تلك هي مجرد شروح  ، ولكن الكارثة تحل حين ينتقل الخبر او التغطية من المصدر الى الاعلام العربي ثم المحلي من دون التخلص من تلك التوصيفات الطائفية ، وهنا لايمكن باي حال تنزيه بعض وسائل الاعلام العربية والمحلية عن الغايات من ايراد هذه التوصيفات ان لم تكن هدفا وغاية وسياسة لذلك الاعلام ، بل ان المشكلة ان يتحول هذا التوصيف الىاسس عمل وسياقات عمل معتمدة لدى الاعلام المحلي ، وقد سرى هذا التقليد الى وسائل اعلام عراقية محترمة ولها وزنها وحضورها ومع القول بعدم القصد فان النقل والأخذ من المصادر الاخرى وبدون تدقيق هو السبب وراء ظهور هذه الحالة في الاعلام العراقي حيث تؤخذ التقارير والاخبار جاهزة من شبكة الانتريت او من المصادر الاخرى بدون رقابة تخلصها مما علق بها من توصيفات طائفية .

 

الفضائيات والكتاب والتحليلات :

 غذت بعض الفضائيات النفس الطائفي بشتى الوسائل التي وقعت يديها من اساليب تنظر الى الحدث من زاوية خاصة أو توصيفات سبق الحديث عنها أوبرامج  مخصصة للنفخ في نار الطائفية واستضافة الكثير ممن تطلق عليهم عناوين ( كاتب او محلل سياسي ) ليبث سمومه في الجسد العراقي من خلال هذه المنابر الجاهزة ، كما ان الفتاوى التي انتقلت من السر الى العلن ولم تكن تلقى رواجاً الا لدى القلة من المتشددين والتي تطورت الى سلاح يشهر بوجه الطوائف الاخرى المختلفة معها ليستبيح الدم حتى ضمن اطار الدين الواحد ، وعلى خلفيات تاريخية واجتهادات فقهية لاترقى الى مستوى من النضج المعترف به  .

دور السياسة في تغذية الخطاب الطائفي

لايخفي ما للسياسة من دور بارز في تغذية الخطاب الطائفي لاسباب يعود البعض منها الى التحشيد الجماهيري أو الشعبي لمصلحة حزب معين لم يجد غير التحصن بالطائفة سبيلا للوصول الى كسب ودهم والاستحواذ على اصواتهم ، اضافة الى المنحى الطائفي عند التاسيس بل ان مشروعه السياسي قائم على اسس طائفية  لايمكن اخفائها ، سيما وان المبرر الجاهز هو التخلص من الاضطهاد المضاد من قبل الاخرين وهذا ما حملته الكثير من العناوين والواجهات السياسية .

وهذا هو الشق الاول من الموضوع والشق الاخر منه يمكن استقصاؤه على مستويين ، الاول اقليمي حيث تقف دول باكملها او تتخذ من حجة الدفاع عن فئة او طائفة لها امتدادات اثنية او عرقية او طائفية سبيلا لحقن المزيد من الاحتقان الطائفي لتحقيق مكاسب خاصة ، والمستوى الاخر متعلق بالمشروع الغربي في المنطقة والاستفادة القصوى من وجود التعددية الطائفية من خلال استثمار هذا التعدد بما يصب في النتيجة النهائية لصالح مشروعهم الخاص .

اما الاسباب الاخرى فان هناك العديد والكثير مما يمكن الحديث عنه وحسبنا ان المقال ينبه الى بعضها ويثير التساؤل حول المسؤولية المشتركة  للتخلص من  الخطاب الطائفي في العراق.

 

العودة الى فهرس العدد اطبع هذه الصفحة